حسن ابراهيم حسن
126
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
الناس . فو اللّه ما أدركنا الناس وما افتقدت حتى أصبحت ونزل الناس فلما اطمأنوا ، طلع الرجل يقودني ، فقال أهل الإفك ما قالوا ، فارتج العسكر ( تحرك واضطرب ) ، وو اللّه ما أعلم بشئ من ذلك . « ثم قدمنا المدينة ، فلم ألبث أن اشتكيت شكوى شديدة ، ولا يبلغني من ذلك شئ . وقد انتهى الحديث إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وإلى أبوى ، لا يذكرون لي منه قليلا ولا كثيرا . إلا أنى قد أنكرت من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعض لطفه بي ، كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي ، فلم يفعل ذلك بي في شكواي تلك فأنكرت ذلك منه ، كان إذا دخل على وعندي أمي « 1 » تمرضنى . . قال « كيف تيكم ؟ » « لا يزيد على ذلك » . ولكن اللّه سبحانه لم يلبث أن برأ السيدة عائشة مما رميت به ، وجعل حصانتها قرآنا يتلى ، فقال تعالى في سورة النور « 2 » ( 24 : 11 ) : إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ؟ ثم قال تعالى ( إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ ، وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ) ( سورة النور 24 : 15 ) . وأنشد حسان بن ثابت قصيدة طويلة ، يعتذر فيها عما فرط منه في حق السيدة عائشة ، ننقل منها هذه الأبيات : حصان رزان ما تزن بريبة * وتصبح غرثى من لحوم الغوافل « 3 » عقيلة حي من لؤي بن غالب * كرام المساعى مجدهم غير زائل « 4 »
--> ( 1 ) هي أم رومان ، واسمها زينب بنت عبد دهمان أحد بنى فراس بن غنم بن مالك بن كنانة . ( 2 ) أنظر ما ذكرته الدكتورة زاهية قدورة عن حديث الإفك في كتابها عائشة أم المؤمنين ( القاهرة سنة 1947 ) ص 84 - 100 ( 3 ) حصان : عفيفة ، ورزان : هادئة وقور ، وتزن - بالبناء للمجهول : تتهم ، وغرثى : جائعة ، والغوافل : جمع غافلة ، وهي المرأة التي لا تتناول أحدا بأذى من قول أو فعل ولا تفطن لعيوب الناس . ( 4 ) العقيلة : الكريمة ، والمساعى : جمع مسعاة ، وهو ما يسعى فيه المرء من طلب المجد والمكارم .