حسن ابراهيم حسن
120
تاريخ الاسلام ( السياسى والديني والثقافي والاجتماعي )
وكان لطول أمد الحصار أسوأ الأثر في نفوس الأحزاب المتحالفة مع قريش ، مما جعل لإخفاقها ورجوعها تجر أذيال الخيبة وتندب الآمال التي كانت تحلم بها ، أثرا كبيرا في سرعة انتشار الإسلام بين قبائل العرب . كما ظهرت في هذه الحرب مقدرة الرسول الحربية ومرونته السياسية ، إذ أنفذ مشورة سلمان الفارسي بحفر الخندق ، وهو من الأعمال الحربية التي لم تعرفها العرب قبل ذلك ، حتى لقد دهشت قريش عندما رأته وقال قاتلهم « واللّه إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها « 1 » ، كما تجلت حنكته السياسية في مساومة غطفان لزلزلتها عن موقفها إلى جانب قريش « 2 » ، ثم في التفريق والوقيعة بين هذه الأحزاب وبين بني قريظة . هذا إلى ما أبداه الرسول من المهارة في مصابرة المسلمين وتشجيعهم على تحمل الجوع والعرى في تلك الأيام التي عصفت الطبيعة بمعسكر قريش واضطرتهم إلى الجلاء . غزوة بني قريظة : عاد الرسول من جبل سلع بعد رحيل قريش ووصل إلى المدينة ظهرا ، فدخل بيت عائشة ثم خرج ، وأمر بلالا أن يؤذن في الناس : من كان سميعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا ببنى قريظة . فتلاحق المسلمون وخرج على بالراية ، وكانت على حالها لم تطو بعد . ولا غرو فقد أحفظ قلوب المسلمين وملأها حقدا وموجدة على بني قريظة نقضهم العهد وممالأة الأعداء عليهم حتى زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ ( سورة الأحزاب 33 : 10 ) . فلما رأى بنو قريظة جيش المسلمين خارت قواهم وأيقنوا بالهلاك . فتبرموا مما ارتكبوه من الغدر وسألوا الرسول العفو ، فأبى ذلك عليهم وشدد الحصار خمسة وعشرين يوما ، حتى نزلوا على حكمه وسألوا حلفاءهم الأوس أن يتوسطوا في إطلاقهم كما توسط الخزرج في إطلاق خلفائهم من بنى قينقاع . فتواثبت الأوس
--> ( 1 ) ابن هشام ج 3 ص 240 . ( 2 ) لما فاوض الرسول غطفان وأطمعهم في ثلث غلة المدينة ثم عدل عن ذلك ورقضه ، توهمت غطفان أن مركزه قد تحسن ، وأنه مقبل على حرب الأحزاب وإجلائهم . ومما زاد هذا الوهم تحقق غطفان من عدول بني قريظة عن مناصرة الأحزاب وعزمها على تقديم سادات قريش وغطفان إلى الرسول ليقتلهم .