علي بن يوسف القفطي

82

أساس السياسة

[ الثوب الأحمر ] وقد حكي أن بعض ملوك الصين « 1 » كان قد أوتي في العدل بسطة . وحبّب إليه الإنصاف حتى لم يكن له في شيء سواه سرور ولا في غيره غبطة . فكان يجلس لرعيته غداة كلّ يوم فينظر في مصالحهم ومظالمهم . ويكفّ عن مظلومهم يد ظالمهم . فلم يزل على ذلك حتى أصيب بآفة في سمعه . واعتراه صمم لم يقدر بحيلة على دفعه عن نفسه ومنعه . فتعاظمه ما ترك به من هذا العارض . وتكدّر عليه من عيشه صفوه وأضحى حميم لذاته وهو بأرض « 2 » . فدخل عليه في بعض الأيام بعض خواصه ، فوجده يبكي بكاء ثكلى أصيبت بواحدها وعزّها الجزع ، فعسر عليها العزاء حتى أبكت عين حاسدها . فقال له : الملك - أعزّه اللّه - أبصر بمواقع السلو والعزاء . وأعلم بما أعدّه اللّه تعالى للصابرين في البأساء من حسن الجزاء . وإنّ الجزع لا يردّ فايتا ، والبكاء لا يردّ ذاهبا . والصبر أحسن في الأمور عواقبا . فقال : واللّه ما أبكي لما فات مني ، فإني قد احتسبت عند اللّه قوته . ولكن لمظلوم يصرخ بالباب ، فلا أسمع صوته .

--> ( 1 ) ملوك الصين : انظر طرفا من تاريخهم وأخبارهم في مروج الذهب 1 : 155 - 173 ؛ ومعجم البلدان ( مادة صين ) 3 : 440 - 448 . وترد حكاية الثوب الأحمر في عدّة مصادر بينها : سراج الملوك للطرطوشي ( تح : محمد فتحي أبو بكر - الدار المصرية اللبنانية - الإسكندرية ، 1994 م ) ص 223 ، وقد جعلها في الهند بدل الصين . المصباح المضيء لابن الجوزي 2 / 145 ؛ عيون الأخبار 2 / 335 . ( 2 ) بأرض ومبروض : مفتقر ، لكثرة عطائه وحميم لذاته : أسير لذاته .