دكتور عبد العزيز الدوري

94

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

وتنشيط مقاومتهم . وكان تأثيرهم واضحا في صفوف عامّة الناس . لننظر إلى التطور الاقتصادي . وهنا نرى إلى جانب النشاط التجاري اهتماما جديدا بالالأرض . ولكن أشراف القبائل ينظرون إلى التجارة بشيء من عدم الاحترام ، وإن نشطت الفعاليات التجارية فإنها كانت بين الموالي وإلى درجة أقل بين العرب . ولكن الأرض ثروة محترمة ومصدر مهم للربح ، فاتجه الأشراف العرب إليها . وتمثل هذا الاتجاه في تحويل الأرض الخراجية إلى أراض عشرية نتيجة انتقال ملكيتها إليهم . ويبدو هذا الاتجاه قويا في الربع الأخير من القرن الأول الهجري وبعده ، وشمل إحياء الأرض الموات وتجفيف المستنقعات وحفر الترع ، حتى وضع الأمويون قاعدة بعدم السماح بإحياء الأرض الموات إلا بموافقة الإدارة الأموية ، وهي قاعدة جديدة . وساهم الخلفاء الأمويون أنفسهم في هذا الاتجاه بإقطاع أراض من الصوافي إلى أقربائهم وأنصارهم . وإذا تذكرنا أنّ هذه الصوافي هي في الأصل أراضي من قتل ومن هرب من الأرستقراطية أو الإقطاعيين من فرس وبيزنطيين ، أدركنا أنّ الفتح الإسلامي قام بدور فعّال في تدمير الإقطاع القديم في الهلال الخصيب خاصة ، وبذلك ترك السبيل ممهدا لظهور طبقة من الملاكين الجدد . ومعنى ذلك أنّ الفتح الإسلامي قام بدور فعّال في تدمير الإقطاع القديم في الهلال الخصيب خاصة ، بذلك ترك السبيل ممهدا لظهور طبقة من الملاكين الجدد . ومعنى ذلك أنّ الملكيات الباقية في غالبها صغيرة أو أنها ملكيات مشتركة لأهل القرية . وإذا لا حظنا إغراء المدن للفلاحين بما تفتحه من مجالات ، والضريبة النقدية على مساحة الأرض زرعت أم لم تزرع ، وهجرة الفلاحين - خاصة الأجراء - إلى المدن بعد أن حررهم العرب من الارتباط بالأرض ، أدركنا هبوط أسعار الأراضي مبدئيا وسهولة انتقالها إلى الملاكين الجدد . وتشعرنا تدابير عمر بن عبد العزيز المالية بالقلق من هذه التطورات والحذر من ظهور الملكيات الكبيرة وتوسعها على حساب أراضي القرى والملكيات الصغيرة . ومن هنا جاء تمييزه في الضريبة بين الأراضي المزروعة وغير المزروعة ، وكرهه شراء أراضي الخراج مع أنّ ذلك لا يؤثر - بموجب نظامه - على وارد بيت المال . وهذا بدوره يفسر مقاومة الملاكين العرب لتدابيره حين قرر اعتبار الخراج إيجارا للأرض لا ضريبة على أهل الذمة . ولكن تدابير عمر بن عبد العزيز كما يظهر لم تترك أثرا يذكر في مشكلة الأراضي ، إذ استمر التنافس على اقتنائها ، ولعله وصل أوجه في فترة هشام ، إذ نرى الخليفة وبعض ولاته - كخالد القسري - من أكبر ملاكي عصرهم ، ويمكن أن نذكر الأراضي الواسعة التي حصلها مسلمة بن عبد الملك من تجفيف نواح من البطيحة وحفر نهري السيبين لإروائها . وهكذا شملت هذه الفعاليات استغلال أراض جديدة واسعة ، بل إنّ الملاكين لم يتورعوا عن التجاوز على أراضي الصوافي التي استأجروها