دكتور عبد العزيز الدوري

95

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

بادعاء ملكيتها كما فعل أهل الكوفة حين أحرقوا سجلات ديوان الخراج إثر ثورة ابن الأشعث . ولم تمر هذه التطورات دون تذمر ، فإنّ وعود يزيد الثالث بأن لا يحفر القنوات ولا يبني القلاع عليها ولا يحمل المزارعين من الأعباء ما يدفعهم إلى الجلاء عن أراضيهم تشعر بقوة الشكوى ومرارتها . ولا يفوتنا أن نلاحظ أنّ إصلاحات عمر بن عبد العزيز فيها تأكيد لفكرة الدولة . فالملاكون العرب كانوا يشترون أراضي خراجية ويحولونها إلى عشرية ويرون هذا بعض حقهم كفاتحين ، في حين أنّ تأكيد عمر بن عبد العزيز على أنّ الأراضي الخراجية وقف على الأمة الإسلامية وأنّ الخراج إيجاز للأرض لا ضريبة على الذميين يصدر من روح التنظيم الذي بدأه عمر بن الخطاب ، وإن اختلف في التطبيق لاختلاف الظروف . وفي هذا إثارة جديدة للأشراف العرب . ومن مظاهر تركز الحياة الحضرية أننا نرى بعض الملاكين اتجه إلى السكن على أراضيه وتعهدها بدل أن يتغيب عنها دوما في المدينة ، وتشير الدلائل إلى حصول هذا بوضوح في خراسان ومصر ، كما أنّ خطاب يزيد الثالث يشعر بأنه حصل في جهات أخرى . وبهذا اتجه المجتمع من حالة قبلية عسكرية إلى دور زراعي تخف فيه القبلية والروح العسكرية وتظهر فيه الروح المدنية والملكيات الكبيرة . هكذا تحول أشراف القبائل إلى أرستقراطية حضرية مالكة . ولكنهم بقوا في نظرتهم الاجتماعية يحتقرون المهن وينظرون إلى المسلمين من غير العرب نظرة تنطوي على عدم المساواة . وكان عامة أهل المهن من الموالي ، وهؤلاء كثروا في المدن وأثروا في تطورها الحضري ، وصاروا مصدر قلق فيها . وتجمع أصحاب المهن بصورة واضحة في أسواق خاصة بهم لكل حرفة سوقها ، وذلك منذ الثلث الأخير للقرن الأول الهجري . وصار لبعض الحرف دور مهم في الحياة الاقتصادية كالصرافين مثلا . وما دام الموالي يشتغلون بالحرف أو بالأمور الكتابية فلا اعتراض على ذلك ، والمهم أن لا يشاركوا العرب في العطاء ، وهو حقهم ، وأن لا يلوا وظائف عامة تؤدي إلى التسلط عليهم كالقيادة والقضاء كما لم يروا تزويج بناتهم منهم ولم يرتضوه . ولكن زيادة أهمية الموالي بصورة أكيدة ، ونشاطهم في جوانب من الحياة العامة صارت تهددهم . وتأكد هذا حين حاولت الأحزاب السياسية أن تجلبهم إلى صفوفها ، وحين اشتغل كثيرون بالفقه ، ووجدوا احتراما وعطفا من الأتقياء . ويبدو أنّ بعض التدابير الشاذة التي اتخذها الأمويون بعد حركة المختار وبعد ثورة ابن الأشعث ، من فرض الجزية والخراج عليهم بعد إسلامهم ، ومن محاولة