دكتور عبد العزيز الدوري
93
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
جيش نظامي خارج القوات القبلية الحرّة . حصل هذا التطور الإداري إثر تطورات اجتماعية مهمّة . فقد تحولت « دور الهجرة » أو المعسكرات العربية إلى حواضر نشطة تتمثل فيها الحياة العربية المدنية ، وضعفت الروح العسكرية تدريجيا فيها وخاصة بعد توقف الفتوحات . وظهر هذا التحول في النواحي الفكرية كما ظهر في النواحي الاجتماعية والاقتصادية . وليس هذا مجال تناول النواحي الفكرية ، بل يكفي أن نلم ببعضها . فقد أخذت المبادئ والقيم الإسلامية تتغلغل بالتدريج ، وظهر ذلك في محاولة المشتغلين في الفقه والحديث في بثّ المفاهيم الإسلامية ، وفي وزن العرف والتقاليد المحلية السائدة بميزان إسلامي وإكسابها وجهة إسلامية . وقد أسفرت هذه المحاولات عن نشأة علم الفقه وعن ظهور مدارس محلية فقهية تتمثل فيها الجهود الجماعية وينمو إرثها الفقهي بطريق التراكم والتكامل دون أن تنسب إلى شخص أو تقلد أحدا - كما حصل في العصر العباسي . كان هذا هو الحال في الكوفة وفي مراكز الأمصار وهدفها طبع الحياة العامة بطابع إسلامي . وإلى جانب هذا الاتجاه حصل تطور في المفاهيم السياسية ، إذ انتشرت الآراء السياسية للأحزاب ، من شيعة وخوارج وعثمانية ومرجئة ، وصار لها الدور الرئيسي في المجتمع . وقد تجلّى هذا في الحركات السياسية في الكوفة في سلسلة ثورات منذ فاجعة كربلاء حتى ثورة زيد بن علي . وإذا كانت البصرة لم تلعب هذا الدور في الثورات الحزبية فلأن العثمانية فيها لهم دور التهدئة والتسوية . وبهذا تحولت روح المقاومة تدريجيا من قبلية إلى مقاومة سياسية حزبية . ولذا لم يعد بإمكان الأمويين الاكتفاء برؤساء القبائل في ضبط قبائلهم ، بل اضطروا إلى تركيز سلطة الأمير وإسناده بحاميات شاميّة . وتبلور هذا الاتجاه في بناء واسط لتكون المركز الجديد للعراق . ونحن نحس بتحول اجتماعي في العلاقة بين أشراف القبائل وعامة أفراد القبيلة . فالأشراف ، على العموم ، وقفوا إلى جانب الإدارة الأموية ولم يتحمسوا يوما لحركة حزبية أو ثورية ولم تتعد مساهماتهم فيها الكلام . أمّا قوة الحركات الثورية فكانت تستند إلى سواد القبائل . ويتجلى هذا في التمهيد لحركة الحسين ، وفي حركة التوابين وفي ثورة المختار الثقفي وفي ثورة زيد ابن علي . وإذا مررنا بحركة الخوارج التي اعتمدت على العناصر المتطرفة في وجهتها القبلية ( في البداية ) ثمّ الإسلامية ، فإنّ هناك جماعة القراء والأتقياء الذين حددوا موقفهم من الوضع القائم على أسس من التقوى والمثل الإسلامية ، ووقفوا يسندون كل حركة معارضة باسم العدالة والمساواة ، وكان دورهم كبيرا في تشجيع الموالي