دكتور عبد العزيز الدوري

92

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

ضبط القبائل من جهة أخرى « 3 » . حصل هذا حين كان التنظيم القبلي قويا ، وهو اتجاه استمر حتى خلافة الوليد بن عبد الملك . ولا يفوتنا أن نبين أنّ التكتلات السياسية القبلية الكبرى أدت ببعض الخلفاء إلى أن يعينوا أمراء الأمصار أحيانا من الأشراف العرب الذين لهم سند قبلي قوي . ثمّ ظهر اتجاه ثان سبقته تمهيدات ، وهو استناد الأمير إلى سلطان الخليفة ، وتركيز قوته ، كما يظهر من تعيين أمراء ليس لهم ذلك الكيان القبلي كخالد القسري ونصر بن سيار ، ويتمثل ذلك في جواب هشام لمن نبه إلى أنّ نصر بن سيار ليست له في خراسان عشيرة إذ قال : « فأي عشيرة أكثر مني لا أبا لك » « 4 » . ومعنى ذلك أنّ السلطة أخذت تتركز في الإدارة ، وأنّ مصلحة الدولة أو مصلحة العائلة الحاكمة هي الاعتبار الأول . بدأ هذا الاتجاه منذ زمن عبد الملك بن مروان الذي عرّب الإدارة وبدأ بتوجيهها نحو طابع موحد في الولايات المختلفة . وجاء عمر بن عبد العزيز فأصلح نظام الضرائب على أسس جديدة . وبرز هذا الاتجاه زمن هشام الذي حاول أن يتم تنظيم الإدارة على الأسس الجديدة . فمن وجهة عربية عامة أكمل هشام حركة تعريب الدواوين في خراسان وسار على أساس عربي في الإدارة دون تركيز على التقسيمات القبلية . ومن جهة إسلامية أخذ بوجهة عمر بن عبد العزيز في إصلاح النظام المالي وذلك بمعالجة وضع خراسان بشكل ينصف عامة الموالي على أسس إسلامية وإن اصطدم ذلك بمصلحة الدهاقين . ولعل صلته كانت أكثر من قبل بالفقهاء كما نستدل من محاولته ضرب طلائع الزندقة . وفتح عبد الملك ، بالتعريب ، الباب لظهور الكتابة بالعربية . ونما هذا الاتجاه حتى فكر أخلافه بتركيز تنظيم الإدارة المركزية كما يبدو من بداية طبقة الكتاب ، حتى نجد عبد الحميد الكاتب ، زمن مروان الثاني ، المثال الأول للكتاب المتضلعين . ولعلّ هذا الاتجاه يفسر اهتمام هشام بالاطلاع على سير الملوك الفرس ، وما ترجم له منها يعكس محاولته الاستفادة من التقاليد الإدارية الساسانية . ويصل هذا الاتجاه إلى غايته المنطقية في تفكير الأمويين في أواخر فترتهم بإنشاء

--> ( 3 ) انظر : صالح أحمد العلي ، التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في البصرة في القرن الأول الهجري ( بغداد : مطبعة المعارف ، 1953 ) . ( 4 ) أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري ، الأخبار الطوال ، تحقيق عبد المنعم عامر ؛ مراجعة جمال الدين الشيال ( بيروت : دار المسيرة ؛ دمشق : وزارة الثقافة والإرشاد القومي ، 1960 ) ، ص 342 .