دكتور عبد العزيز الدوري

84

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

والعرب ، ومن خيبة أمل الأرستقراطية الفارسية في الحصول على ما تريد ، ومن ثورة الجماهير الإيرانية الواسعة مع بابك الخرمي ، ومن تضعضع كيان العرب بعد مقتل الأمين ، ومن عدم الثقة بولاء الجند الفارسي والعربي للعباسيين ، ومن الخطر البيزنطي الذي يهدد الحدود العباسية - كل ذلك استوجب حلا سريعا حاسما للارتباك الذي يهدد كيان الدولة بإدخال عنصر عسكري جديد فتي يعتمد عليه الخليفة في تثبيت قوة دولته ، ويكون في وضع يعلو على العنصرين الأولين : العرب والفرس . وهكذا دخل الترك الميدان في خلافة المعتصم . واقتضت الضرورة والخبرة أن يكون هذا العنصر بعيدا عن جوّ الدسائس والمناورات السياسية التي تعجّ بها العاصمة بغداد ، وأن يكون في مقرّ بعيد عن موطن الجند القديم المتذمر المتذبذب في ولائه ، وأن يكون بعيدا عن ترف العاصمة وإغرائها ليبقى فتيا وليكون سندا للخلافة ، فأدى ذلك إلى اختيار سامراء وجعلها قاعدة للدولة بدل بغداد ، ومعنى تبديل العاصمة تبديل الأسس التي تمثلها العاصمة القديمة ، وهذا زعزع أسس الدولة العباسية وكان عاملا أساسيا في ارتباكها وضعفها . فقد نجحت القوة العسكرية الجديدة بكسب الحروب ، ولكنها مع بعدها عن التقاليد الحضرية أخفقت إخفاقا ذريعا في إرساء سياسة جديدة أو في حفظ الإدارة المثبتة . ومن ناحية ثانية كان للتطورات الاقتصادية أثرها ، فالاهتمام بالصناعة وتوسعها وزيادة النشاط التجاري أديا إلى ظهور طبقة مثرية من التجار وأصحاب المصانع من العرب والفرس . وإذا لا حظنا التعاون الظاهر ، بصرف النظر عمّا ينطوي عليه ذلك التعاون ، بين الأرستقراطية الفارسية والعربية في العصر العباسي الأول ، وخيبة الحركات الاجتماعية الفارسية التي اقتصرت بدعوتها على الفرس ، أدركنا سرّ التحول فيها ، إذ أخذت توجه دعوتها إلى الطبقات العامة من فرس وعرب وغيرهم ضد السلطان العباسي ، وتكامل هذا الاتجاه في أخطر حركة وأوسعها وهي الحركة الإسماعيلية . وإني أشير أخيرا إلى اتجاه ثقافي له صلة بما مرّ . فقد أفسح العباسيون في المجال للفرس في الناحية الثقافية . وإذا تذكرنا اتجاهاتهم الدينية والسياسية استطعنا أن نفهم أنهم قاموا بحركة تأليف وترجمة شعبية واسعة المدى في الدين والأدب لإحياء تراثهم الديني والأدبي ، ولا سيما في ما يتعلق بالمانوية والمزدكية وفي ما يتصل بتاريخهم ، ورووا القصص والأخبار عن ملوكهم الماضين - وأكثرها أسطوري - ليزيدوهم روعة وليرفعوا من شأن ماضيهم . ونقلوا كثيرا من الآراء المانوية والكتب المانوية والديصانية والمرقونية ليتخذوها وسيلة لمقاومة العربية والإسلام ، وربما كان المانوية أنشط من غيرهم في هذا .