دكتور عبد العزيز الدوري

83

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

يتخذوا أي تدبير جوهري لتخفيف الضغط الاقتصادي والاجتماعي على العامة في إيران على رغم وعودهم الكثيرة بإصلاح وضعها . وهذا قوى تذمر العامة وأدى إلى انتشار الحركة الخرمية بشكل لا سابق له في تاريخ إيران ، حتى بدت هذه الحركة رمز الصراع التحرري الذي تمثل في سلسلة ثورات على العباسيين طوال العصر العباسي الأول . وأخفق العباسيون في السياسة العملية ، فإنهم قربوا الأرستقراطية من الفرس والطبقة المثقفة منهم وأشركوهم في الحكم ، آملين بذلك أن يحققوا التعاون المنشود متوقعين أنّ ذلك كل ما يتمنى هؤلاء . ولكن طموح الأرستقراطية الشخصي ، وطموحهم القومي في بعض الأحيان أدى إلى الاصطدام المتكرر بين العباسيين وممثلي الأرستقراطية ( الوزراء خاصة ) وإلى تنكيل العباسيين بهم خوفا على الدولة والسلطان . فساءت العلاقة بالتدريج بين الجهتين حتى فقد أمل التعاون بعد المأمون . ومعنى هذا أنّ العباسيين وجهوا لوم العامة وتذمرهم إلى دولتهم ، وأملوا ضبطهم بتعاون الأرستقراطية معهم بسبب وجود النزاع الاجتماعي بين هؤلاء وبين العامة ، فلما اصطدموا بالأرستقراطية ، أصبح السخط عاما ، وجعلوا الفرس يفكرون بتسوية اختلافهم الداخلي وتوجيه الجهود مجتمعة على العباسيين . وقد ظهرت بوادر ذلك في تأييد بعض الأرستقراطية لحركة بابك الخرمي ، ثم اتضح في قيام الإمارات الطاهرية والسامانية المستقلة تقريبا في إيران في القرن الثالث الهجري . وقد نجح العباسيون بضرب الاتجاه القبلي ، ولكنهم أحقدوا العرب عليهم ولا سيما بتقريبهم الفرس . في حين أنّ فسح المجال أمام الفرس لم يرضهم بل ساعد على ظهور نياتهم القومية . فبرزت حركة الشعوبية وهي حركة تمثل صراعا اجتماعيا ثقافيا عنيفا بين العربية والأعجمية . وانتشرت الزندقة ، وهي تمثل نزاعا سياسيا دينيا بين الديانات الفارسية والطموح الفارسي وبين الروح العربية والدين الإسلامي ، سرّ مجد العرب وأساس سلطانهم . وحصل تكتل قوي في البلاط العباسي بين ممثلي الاتجاه العربي والاتجاه الفارسي ، فكان ذلك مما زلزل التوازن الذي حاول المنصور إنشاءه بين العنصرين العربي والفارسي . وبذلك عاد الصراع بين الموالي والأمويين قويا عنيفا بشكل جديد بين السلطان العربي والقومية الفارسية . وقد يكون غريبا أن نقول إنّ الأرستقراطية الفارسية تعاونت مع الأمويين مدّة أطول من تعاونها مع العباسيين ، ولم تتخل عن بني أمية إلا بعد تدابير نصر بن سيار المالية التي أعادت تنظيم الضرائب . ولكن الغرابة تزول إذا تذكرنا فورة الروح الفارسية على أثر الدعوة العباسية ومجيء العباسيين . ثمّ إنّ الاضطراب الناتج من زوال التوازن وضعف التعاون بين الفرس