دكتور عبد العزيز الدوري

82

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

أهله من دون الجهر باسم المدعو له . ونادت بتحسين أوضاع الموالي ومساواتهم بالعرب وإشراكهم في الأمر متخذة ذلك جوهر برنامجها الاجتماعي . ووعدت بالعدل واتخاذ السنة والكتاب دستورا يستهدي به إمامها في دولته . ومن جهة ثانية ، أخذت الدعوة العباسية تسعى لجمع كل عناصر التذمر تحت لوائها وتسييرها لخدمتها ، وبذلك أثارت قوى كامنة خطرة . فقد بعثت الوعي عند فئات من الفرس ووسعته ، وقوت فيهم روح التوثب والسيادة ، بل روح إحياء المجد القديم المفقود . كما أنها أثارت الحركات الاجتماعية ونشطتها ووسعتها ، ولا سيما حركة الخرمية التي تمثل الثورة على الأوضاع الاجتماعية القائمة . والخرمية لم تكن سوى الحركة المزدكية الثنوية بعد أن حاولت التستر بالإسلام والاستفادة من بعض مبادئه في سبيل حماية نفسها وتوسيع نطاق نشاطها . وقد ذهب بعض الدعاة إلى أبعد من ذلك ، فأحيوا في الزردشتية الأمل في بعث دينهم وفي ظهور المنقذ الذي بشّر به زردشت ، حتى عدّ بعض الزردشتية أبا مسلم ذلك المنقذ . وهدف العباسيون عند مجيئهم إلى الحكم إلى عدّة أمور . فقد أرادوا أن يتلافوا خطر الانقسام العنصري الواضح في العصر الأموي ، وأرادوا أن يخلقوا جوا من التعاون والتفاهم ( على أساس إسلامي ) بين العرب والفرس ليتم الاستقرار . وليحققوا ذلك نراهم يفسحون في المجال الفكري والاجتماعي والسياسي للفرس . كما سعوا لتحقيق التعاون بين الدين والسياسة ليضربوا التقاليد والعصبية القبلية ، متعظين في ذلك بالمشكلات التي أضعفت الأمويين . ولكن العباسيين أخفقوا في مجال تحقيقهم للوعود التي أظهروا كرما في تقديمها ، وأخفقوا في تحقيق أهدافهم التي أملوها نتيجة عوامل متعددة منها خطأهم في فهم بعض الأوضاع ، وعدم إمكان تمشي سياستهم مع وعودهم الثورية ، وبتأثير التيارت التي أثاروها ، وبسبب طموح الفرس . فقد تراجع العباسيون عن كثير من وعودهم . فلم يسيروا على الكتاب والسنة في نظر البعض ، بل اتخذوا الدين سبيلا لتبرير حكمهم المطلق ولتقوية كيانهم ومركزهم وللتأثير في الرأي العام . وبذلك خيبوا أمل الآملين في هذا الاتجاه . كما أنهم استأثروا بحق الهاشميين في الخلافة وجعلوه بصورة طبيعية في آل العباس ، وتركوا أبناء علي ودعمهم وضيقوا عليهم أكثر مما فعل الأمويون . فأدى ذلك إلى ثورات مستمرة قام بها العلويون ، وإلى دعوة سرية خطيرة وهي الحركة الإسماعيلية التي زعزت كيانهم وشطرت العالم الإسلامي ردحا من الزمن وكادت تقضي على دولتهم . ثم إنهم أبقوا الوضع الاجتماعي الطبقي في إيران على ما كان عليه ولم