دكتور عبد العزيز الدوري

81

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

نهض بهما الموالي . وهذا قول يعود انتشاره إلى كثرة تكراره لا إلى أساس تاريخي . فالعصر الأموي كان عصر حركة ثقافية نشيطة . فيه بدأت العلوم الأجنبية تتسرب إلى العرب مشافهة بالمناقشة مع المسيحيين خاصة وأحيانا بالترجمة كما فعل خالد بن يزيد ، وكما حاول عمر بن عبد العزيز وهشام بن عبد الملك . أمّا العلوم الدينية من حديث وفقه وتفسير وما يتصل بها كالتاريخ فقد نهض بها العرب ، وكان جلّ القائمين بها منهم ، ولم يبدأ الموالي بالمساهمة بشكل ملموس إلا بعد أن عربت الدواوين وبعد أن تعرّبوا ثقافة ولغة . ومن الغريب أن نشير إلى ثقافة الفرس وتفوقهم مع أنّ دراسة تاريخهم توحي بأنهم لم يتفوقوا إلا في التفكير الديني في العصر الساساني ، وأمّا العلوم فقد بقوا فيها عيالا على اليونان والهنود إلى آخر دولتهم . لقد تأثر العرب في العصر الأموي بأسلوب الكتابة الفارسية ، أمّا علم الحديث والفقه والتفسير والتاريخ والعروض والقوافي فكلها عربية الأصل والمنشأ . وأمّا الشعر فقد كان الميدان فيه للعرب . وليس هذا محل الإسهاب في هذا الموضوع . ويكفي أن نذكره للتنويه لا للتوضيح . لقد انهارت الدولة الأموية بعد تآكل قوة الاتجاهات القبلية واستعلاء الاتجاه الإسلامي في وجهاته الثورية . أفلا نعد قوة المبادئ القدرية في الشام ذاتها ومجيء خليفة قدري مثل يزيد الثالث ، وانتشار مبادئ الخوارج إليها دليلا على تغلغل التيار الإسلامي الثوري ؟ يقابل ذلك أن القبلية اتجهت في أيام الأمويين المتأخرين إلى زعزعة الأسس الإدارية للخلافة وحولت الخلفاء من رؤساء دول إلى رؤساء أحلاف قبلية . ولما صارت القبلية سببا للحرب الأهلية في الشام - كما في الثورة على الوليد الثاني - وأداة لإسناد الولاة الثائرين ( كآل المهلب ) ، وحين لم تعد فيها قوة تسند الخلافة عسكريا ، فإنها بلغت أجلها . ومن جهة ثانية ، فإنّ تعاون تيار الموالي مع التيار الإسلامي كان تعاونا سلبيا للقضاء على خصم مشترك ، ولكن الأهداف مختلفة وهنا العقدة الكبرى التي ورثها العباسيون . سقطت الدولة الأموية إثر جهود العباسيين وأنصارهم في دعوة سرية تلتها ثورة علنية أنزلت بالأمويين ضربات قاضية وتطلب ذلك حوالي ثلث قرن . - 6 - وقد قامت الدولة العباسية على أسس معينة واضحة . فقد اتخذت من ادعاء بني هاشم بالحق الشرعي في الخلافة أساسها السياسي ودعت إلى إرجاع الحق إلى