دكتور عبد العزيز الدوري

80

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

على الأرض بعد قسمها بصورة عادلة ، يدفعها كل مالك ، وضريبة على الرؤوس يعفى منها من دخل الإسلام ، وبذلك أصلح نقاط ضعف مهمة في تطبيق ذلك النظام في خراسان . ولكن إصلاح نصر جاء متأخرا لاستفحال الدعوة العباسية . وممّا مرّ نلاحظ أنّ التهويلات التي تعجّ بها كتب التاريخ ، قديمة وجديدة ( مثل فان فلوتن - السيادة العربية ) ناتجة من تصوير التدابير الشاذة وإغفال القواعد أو عن عدم فهم أسس النظام الأموي . وذلك أنّ نظام الضرائب الأموي كان استمرارا لنظام الراشدين الذي كان رهينا بظروفه التي وضع فيها . فلما تبدلت الظروف جرّت نظام الحجاج إلى حلّ الأزمة ، فأثار من الضجة ما أدى إلى الحل المتزن الذي وضعه عمر ابن عبد العزيز الذي نجح في الأخير . وهذا توصلت إليه في بحثي الخاص ، وكلما زدت تدقيقا زدت يقينا بصحة النتائج المذكورة . أمّا ما يذكر عن الأمويين من احتقار للموالي ، فلا ردّ عليه في أساسه ولكني ألاحظ أنه ينطبق على بداية الدولة الأموية ، حين كان عددهم قليلا وحين كانت التقاليد القبلية في أوجها . ولا ننسى توجيه عمر بن الخطاب الذي أراد أن يكون العرب أمة عسكرية مجاهدة لا تختلط بالأعاجم الذين انهاروا اجتماعيا قبل أن ينهاروا سياسيا ، ولذلك شيّد المعسكرات للعرب لئلا يتأثروا بهم . ولكن العرب اتصلوا تدريجيا بالموالي وبغيرهم وتأثروا بهم وبترفهم وعاداتهم ، وأفسحوا لهم المجال بصورة تدريجية فلم يقصروهم على دواوين الخراج ، بل ولّوهم الكتابة والرسائل ، فأبو الزعيزعة كان كاتب رسائل عبد الملك وفي منزلة سامية عنده . وسالم بن جبلة مولى هشام كان في منزلة عالية عنده . وعبد الحميد الكاتب كان كبير الحظوة عند مروان الثاني . وكان طارق بن زياد الذي هزم القوط في الأندلس مولى ، كما كان حيان النبطي من رجال الحجاج البارزين في أعمال العمران في العراق . وكان مقاتل بن حيان النبطي من القادة في الجبهة الشرقية . ثم ألا يكفي أن يكون اثنان من خلفاء بني أمية المتأخرين من أولاد الإماء ؟ ومن هذا يتضح أنّ دخول الموالي في الوظائف وفي الأمور العامة بدأ في العصر الأموي . ولا نسمع بمشكلة للموالي في مصر والشام ، وتقتصر هذه المشكلة الخطرة على العراق وإيران ، وهذا يؤيد ما ذهبنا إليه من أنّ النزعات العنصرية والدينية والاجتماعية الإيرانية هي السبب في إحداث هذه المشكلة بالدرجة الأولى . ولعلنا نستبق التسلسل التاريخي ونبين أنّ هذه النزعات نفسها هي التي أبقت مشكلة الموالي وزادتها خطورة واتساعا في العصر العباسي الذي زالت فيه الفوارق العنصرية وأشرك الفرس فيه إشراكا مباشرا في الحكم . ويتصل بما مرّ القول بأن الدولة الأموية كانت بدوية ، وأن العلم والثقافة