دكتور عبد العزيز الدوري
76
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
فرصتها في التستر باللواء العلوي الذي رفرف باسم المبادئ الإسلامية . ولكن الأئمة العلويين من أبناء فاطمة ابتعدوا عنهم وتبرأوا منهم . إلا أنهم وجدوا قبولا في الفرع الحنفي ( أبناء محمد بن الحنفية ) فتكونت حركة سرية واسعة باسم العلويين بدأت بتنظيم أبي هاشم ابن محمد بن الحنفية ، ثم استغلها محمد بن علي العباسي . وبوفاة أبي هاشم وبحسب وصيته ، انتقل ولاء الهاشمية أتباعه الذين تفرعوا عن الكيسانية إلى محمد بن علي العباسي وتكون الحزب العباسي السري بين الموالي ، وانتشر من العراق شرقا فنجح في خراسان حيث كان يكثر الغلاة وأتباع الحركات الاجتماعية الفارسية . وقد شجع الدعاة العباسيون هذه الاتجاهات متجاهلين ما تنطوي عليه ، فلما تحقق أملهم في السلطان كافحوها ، فانقلبت وبالا عليهم كما سنرى . وهناك اتجاه آخر لحركة الموالي ، وهو وجود نزعة قومية لدى الفرس خاصة . وهذه كانت تحلم بإحياء المجد الفارسي عند الموالي منهم وبإيقاف توسع الإسلام على حساب الزردشتية عند من حافظوا على زردشتيتهم ( وهؤلاء من أهل الذمة وليسوا من الموالي ) . وقد ظهرت نزعة الموالي القومية بصبغة إسلامية فتظاهرت بأنها تدعو إلى المساواة بين المسلمين مهما اختلفت عناصرهم ، وأنه لا فضل لأحد على آخر إلا بالتقوى . وهكذا أنكر أصحاب هذه النزعة استئثار العرب بالسلطة ، وتفوقهم بالامتيازات ودعوا إلى المساواة . وقد ظهر هذا الاتجاه في العراق وإيران خاصة . وقد توسعت هذه النزعة في العصر العباسي إلى ما نسميه بحركة الشعوبية ، والزندقة ، لأنّ فتح الباب أمامها جعلها ظاهرة واضحة فانكشفت عن عدائها للعرب ولدينهم وعن سعيها لضرب الاثنين ومكافحتهما بكل وسيلة ، لأنّ الإسلام وحماته من العرب ، في رأي بعض الموالي ، مسؤولان عن انهيار مجد إيران ودينها . وعلينا أن نبين هنا أنّ الأحزاب العربية الإسلامية هي التي نظمت حركة الموالي بأشكالها المختلفة ، وساعدتها على أن تتخذ مظاهر مختلفة . فالأتقياء والفقهاء أيدوا الموالي في دعوتهم إلى المساواة من دون نظر إلى سرّ هذه الدعوة . وإليهم يعود الفضل كثيرا في تشجيعهم على الثورات المختلفة كثورة ابن الأشعث . والخوارج قبلوا في صفوفهم عددا من الموالي ( وإن لم يكن كثيرا نسبيا ) وذهبوا إلى حدّ بعيد في دفعهم حتى طوروا نظريتهم في الخلافة إلى المساواة بين العرب والموالي ، فجوزوا إمامة غير العربي كما قالوا بإمامة أي عربي يجمع المؤهلات اللازمة . وقد مرّ بنا أن بعض العلويين استغلوا حركات الغلو وهي بقايا الحركات الاجتماعية الإيرانية القديمة وأفسحوا لها في المجال . فالمختار ( الذي قام باسم العلويين ) شجع السبئية وشجع آراءهم الغريبة وقرب الموالي على حساب العرب .