دكتور عبد العزيز الدوري
77
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
والفرع الحنفي استغل الكيسانية وشجعهم وقد جاء هؤلاء بآراء فارسية بعيدة عن الإسلام وأدخلوها ، مثل التأويل ، والتأكيد على ضرورة فهم باطن النصوص المقدسة وأن لا فائدة من ظاهرها ، وأنّ الباطن لا يعرفه إلا الإمام ، ويكفي إذا معرفة الإمام وذلك جوهر الدين « فالدين طاعة رجل » . وتوصلوا بذلك إلى تعطيل النصوص والشريعة ، بل ذهبوا إلى نقطة تحول خطرة وهي أنه لا يشترط في الإمام الوراثة بل يكفي العلم ، فمن أحاط بعلم الإمامة من تلاميذه يمكن أن يكون إماما ولا حاجة إلى النسب . وهذه هي النقطة التي استغلها الهاشميون والعباسيون ، وهي سر نقل الإمامة من أبي هاشم بن محمد بن الحنفية العلوي إلى محمد بن علي العباسي ، لأنّ محمد بن علي بحسب ما وصلت إليه ، كان تلميذ أبي هاشم وعنه أخذ العلم . لقد ذهب الغلاة بعد الدعوة العباسية إلى بيت القصيد فنقلوا الإمامة إلى رجال من الفرس ، وبذلك حققوا أمنيتهم الغالية التي طالما سعوا إليها فنادوا بإمامة أبي مسلم الخراساني ، وثاروا لمقتله ، ثم نقلوها بعده إلى غيره . والدعوة العباسية إنما نبتت ونمت بمعونة الغلاة أول الأمر ، وكان الجيش الذي دخل مرو عاصمة خراسان بقيادة أبي مسلم من الهاشمية ( الغلاة - ولا يخفى التمويه في لفظ الهاشمية ) . وكان مجيء العباسيين فاتحة فترة نشاط قوي للخرمية ( أو المزدكية بشكلها الجديد ) ، وللزندقة ( أو المانوية بشكلها الحديث ) . فكان ذلك فاتحة فترة صراع اجتماعي جديد في غاية الخطورة كما سنرى . نلاحظ ممّا مر ، أنّ تيار الموالي كان منبعثا عن اتجاهات مختلفة ، منها النزعة القومية ( بمعناها التاريخي الذي يشير إلى الشعور بالكيان والميل إلى التحرر ) التي تريد إعادة سيادة إيران وحريتها ؛ ومنها الحركات الاجتماعية الدينية الإيرانية السابقة التي قاومت الأوضاع السائدة في المجتمع الساساني واستمرت تقاوم هذه الأوضاع إذ لم تتغير في العصر الإسلامي ، ومنها النزعات الدينية المانوية التبشيرية والزردشتية التي شعرت بخطر المبادئ الإسلامية على كيانها . وقد اتخذت هذه من دعوة الإسلام للمساواة وموقف الأمويين حجة للتذمر وللثورة على بني أمية وعلى السلطان العربي . أمّا الرأي السائد وهو أنّ بني أمية بظلمهم وسواد صحيفتهم مسؤولون عن هذه الثورات فيحتاج إلى تدقيق كبير . وإليك بعض الملاحظات التوضيحية : لقد كانت النظرة السياسية السائدة في الشرق الأدنى عند الفتح الإسلامي ، والتي سار عليها الفرس والبيزنطيون ، تعد البلاد المفتوحة أرضها وأهلها ملكا للفاتح يتصرف به كما يشاء . فمن يزرع الأرض من السكان - بناء على ذلك - يدفع ضريبة التاج المالك للأرض شرعا ( بحق الفتح لها ) ، وهذا يقابل الخراج . ويدفع كل فرد