دكتور عبد العزيز الدوري
75
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
ونلاحظ زيادة أثر الدين في الأسرة الحاكمة وفي سياستها . فعبد الملك بن مروان نشأ نشأة دينية وتعلم الفقه . والوليد اهتم بتعمير المساجد وتزيينها . وسليمان ابن عبد الملك كان إلى حد كبير تحت تأثير الفقيه رجاء بن حيوة . وعمر بن عبد العزيز اتبع المبادئ الإسلامية في حكمه واجتهد للتوصل بها إلى سياسة ترضي المتذمرين من عرب وموال وتهدىء الأحزاب . أفليس من عجائب الأقدار أن يقتل الوليد الثاني وهو يقرأ القرآن ، متعمدا أن يلاقي حتفه وكلام اللّه بيده ، وأن يكون يزيد الثالث قدريا دعا للمساواة بين المسلمين دون تمييز ، وحفظ حقوقهم ومنع الظلم ؟ ولقد كان لانتشار الإسلام أثره في إظهار تيار الموالي وتوسيع خطره على الدولة الأموية خاصة وعلى الكيان العربي عامة . فقد كثر عدد الموالي وتوسع نفوذهم بالتدريج وقد اتخذ تيارهم اتجاهات مختلفة . فبعضهم أسلم مؤمنا برسالة الإسلام وبدعوته إلى العدل والمساواة ، فاستنكر تمييز الأمويين بين العرب وغيرهم ، ومال إلى تيارات المقاومة بدخول صفوف الأحزاب المعادية . وقسم آخر تستر بالإسلام واصطبغ بصبغته لا يريد بذلك إلا منفذا لبثّ دعاياته وتحقيق أغراضه . وهذا يصح على أنصار تلك الحركات الاجتماعية الموجودة في إيران والعراق قبل الفتح الإسلامي خاصة ، مزدكية بالدرجة الأولى ومانوية بالدرجة الثانية . فقد جاءت المانوية ثم المزدكية تحمل الثورة على الفوارق الاجتماعية والاستغلال والتباين المادي في المجتمع الساساني الذي تفصل طبقاته فوارق حديدية من النسب والمنزلة والثورة . ولّما جاء الإسلام لم يبدل الأوضاع القائمة لغير المسلمين ، في حين أنّ الأمويين حالفوا الدهاقين واستخدموهم على حساب العامة ، فكان ذلك مما جعل أصحاب هذه الحركات يحولون سخطهم الاجتماعي إلى الأمويين وأنصارهم ، وتقوى موقفهم لأنّ الأمويين أجانب حاكمون . ورأى هؤلاء في التستر بالاسم الإسلامي وسيلة لحماية أنفسهم ، وثقة في دعوة الإسلام إلى العدل الاجتماعي ، يضاف إلى ذلك نبرة قومية خفية تسخط على السيادة العربية . ولقد ظهرت هذه النزعة في الغلاة بفروعهم المختلفة وفي الخرمية . وقد وجدت هذه الفرق بين المسلمين من يستغلها ويشجعها في سبيل السلطان ، فالمختار بن أبي عبيد استغل السبئية وقرب الموالي والغلاة وفرض لهم العطاء كالعرب ، وتسامح معهم في مبادئهم ، وتكونت نتيجة ظهوره الفرقة الكيسانية . وهذه الفرق جاءت بآراء فارسية غريبة عن الإسلام كمبدأ الحلول والتناسخ والبدع ، واصطبغت بصبغة ثورية . وقد وجدت هي وجماعات الغلاة