دكتور عبد العزيز الدوري

71

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

وإن حللنا ظروف الأمويين لاحظنا أنّ صلتهم بالعرب كانت لا تخلو من توتر أحيانا . فقد عدوا بنظر قسم من العرب مغتصبين للسلطان ، أخذوا الخلافة بالقوة لا بالانتخاب . فالعلويون وأنصارهم يرون الخلافة حقا مشروعا لآل علي ، وأنّ الأمويين أخذوها منهم قسرا . وقد تمسكوا بهذا الحق وعملوا سرا وعلنا لاسترجاعه . كثر المؤيدون لهم بعد استشهاد بعض أبطالهم ، وظلم بعض العمال الأمويين لهم . وصاروا رمز المقاومة الشرعية للدولة الأموية ، وكان هذا ممّا فسح في المجال لمختلف الجماعات المتذمرة عربية وغير عربية لتنضم تحت رايتهم . وأهل الكوفة رأوا في انتصار الأمويين انتصارا للشام عليهم ، ونقلا لمركز الحكم من الكوفة إلى دمشق . وهذا الانتصار سلبهم قيادة الأمة العربية وجردهم من امتيازات اجتماعية وسياسية كبيرة ، وصاروا يشعرون - بعد أن أنقص الأمويون عطاءهم - أنّ وارد السواد الغني يأكله أهل الشام غرما لهم وسلبا لحقهم . وأخذوا يمجدون أيام الإمام علي ، ويمجدون ذكراه ، وكانوا دائما يسعون لاسترجاع السلطة ولا ينسون أنه أول إمام جعل مركزه وسطهم . ويلتبس علينا مبدئيا كما التبس على كثيرين في الماضي حقيقة شعورهم - أفشيعة علي وآله أم شيعة العراق وحماة كيانه ؟ . ولكننا في ملاحظتنا لمواقفهم الحماسية من الأئمة العلويين - الحسين بن علي ( رضي اللّه عنه ) وزيد بن علي ( رضي اللّه عنه ) خاصة ، ومن المنادين بحق آل علي كالمختار ابن أبي عبيد الثقفي - ثم انفضاضهم السريع عنهم حين تقوم السيوف الأموية والأموال الأموية بدورها ، نشعر أن عامتهم كانوا يفكرون بالعراق ، ولم يكن تأييدهم للعلويين في الغالب إلا وسيلة لذلك . وهذا جعلهم يثورون أحيانا تحت راية ليست علوية كما في ثورة ابن الأشعث الواسعة الخطيرة . وهذا لا ينفي وجود حزب علوي في العراق ، يخلص لآل علي ، ويسعى دوما لتأييدهم . وهناك الخوارج الذين يمثلون النزعة البدوية بصراحتها وجرأتها ، فهم لا يعترفون بحق قريش في الخلافة ، ولا يقبلون بمبدأ الوراثة ، بل يدعون إلى الانتخاب ، ولكنه انتخاب يختلف عما كان عليه زمن الراشدين ، لأنهم يريدونه انتخابا عاما يشمل العرب ويعطيهم الحق في الحكم نفسه . وعلينا ألا ننسى أنّ القبائل عامة كانت ترى في انتصار الأمويين انتصارا جديدا لقريش على بقية العرب . وفي هذا شيء من تلك النزعة التي ظهرت منذ حروب الردة . وأهل الحجاز يرون أنّ الخلافة حق أبناء الصحابة ، وأنها يجب أن تبقى في مهد الحركة الإسلامية وفي مقرها الأصلي ، المدينة ، وأنّ الخلافة يجب أن تكون في أولاد