دكتور عبد العزيز الدوري
72
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
الصحابة الأولين لا في الأمويين الذين أسلموا أخيرا . وتتمثل هذه النظرة في حركة ابن الزبير أقوى تمثيل . وهكذا كان موقف العرب مقسما تجاه الأمويين ، ومع ذلك فإنّ أثر السياسة في القبائل وظهور الأحزاب وتكتلاتها تدلّ على أنّ الأمويين حصلوا على تأييد قبلي في جهة أو أخرى حتى نهاية الفترة الأموية . ولم تصل مقاومة القبائل يوما - كما هو حال الأحزاب - إلى حدّ العمل الجدي لإزالة السلطان الأموي . انتصر الأمويون ، وانتصرت التقاليد العربية الأولى في الاتجاه السياسي على الأقل ، فكان ذلك سببا لتطورات مهمة وتأثيرات ذات دور خطير . ويمكن أن نشير إلى ما يلي : أ - قوة العصبية القبلية في الدولة ، بشكل يختلف عمّا كانت عليه قبل الإسلام بنتيجة الأوضاع الجديدة ، فكان سبب ظهورها بقوة هو التنافس على النفوذ والسلطان . واتخذت شكل نزاع بين عرب الشمال وعرب الجنوب أو بين قيس ويمن ، مع العلم أنّ المجموعات الداخلة تحت كل جهة لم تكن كلها تنتمي إلى الشمال أو الجنوب . وربما يخفي النزاع بين قيس ويمن في الشمال وراءه نزاعا بين القبائل الشامية المتوطنة قبل الفتح وجلها يمانية من كلب وقضاعة ، والقبائل التي دخلت على أثر الفتوحات . وقد ظهر هذا النزاع بشكل علني بعد معركة مرج راهط التي كانت قمة مناورات حول الخلافة ، فكان الضحاك بن قيس الفهري زعيم قيس ينظر جنوبا إلى ابن الزبير ويؤيده ، في حين أنّ اليمانية ، ولا سيما كلب وعلى رأسها حسان بن بحدل كانوا يؤيدون أنسباءهم الأمويين . وقد تركت مرج راهط أحقادا وثارات زادت الطين بلة وقوت المنافسة على النفوذ : فقد ينبت المرعى على دمن الثّرى * وتبقى حزازات النّفوس كما هيا كما قال قائل القيسية بعد مرج راهط . بدأ التكتل القيسي اليماني في الشام ، ثمّ امتد بمرور الزمن وبالتدريج إلى أجزاء الإمبراطورية حتى وصل خراسان شرقا والأندلس غربا . وقد وقف رجال الدولة وولاتها موقف الحياد أول الأمر من هذه القبائل . ولكن الظروف ، ولا سيما ظروف عصر الحجاج والفترة التي تلته ، أدت إلى أن يدخل الولاة أولا في تيار العصبية ، فأدى ذلك إلى أن تتخذ التكتلات القبلية هيئة أحزاب سياسية ، هذه تؤيد هذا الوالي وتتمتع بالنفوذ والجاه ، وتلك تأخذ موقفا سلبيا وتقصى عن المجال . وتعقد الوضع وتأزم حتى لم يستطع الخلفاء المتأخرون تجنب هذا