دكتور عبد العزيز الدوري
66
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
سأنظر ما حصل في ضوء الظروف التي أدت إلى إحداث الفتنة . فالإمام علي جاء ليسير وفق الاتجاه الإسلامي ، وكان تأييد الأنصار له على أساس إسلامي . كانت أول خطوة خطاها ، وهي عزل ولاة عثمان ، إسلامية . ولا حاجة بي إلى ردّ الرأي السائد وهو أنّ عليا تسرّع في عزل الولاة ، وأنّ تصرفه بعيد عن الدهاء السياسي ، لأنّ هذا الرأي لا يستند إلى أساس تاريخي . فانتخاب الخليفة يعتمد على المدينة لا على الأمصار ، ولم يكن للأمصار ، أي رأي في ذلك . ولم نر أي خليفة ينتظر بيعة الأمصار لتثبت ولايته . هذا إضافة إلى أنّ تهدئة الخواطر وإيقاف الهياج يتطلبان عزل الولاة . فالأوضاع السياسية تتطلب ما عمله علي ، وتقاليد الخلافة تؤيد ذلك . ولكن عليا جاء في ظروف استعلاء الاتجاه القبلي وانتصاره كما بيّنا . وكان خروج معاوية للمطالبة بدم عثمان على أساس قبلي واضح ، لأن هذا واجب الدولة وحقّها وليس حقّ الأقرباء . والتفاف الكثيرين حول معاوية إنما يدلّ على قوة الاتجاه القبلي ومواتاة الظروف . سار علي على أساس إسلامي ، ومعنى ذلك معاكسة التيار القبلي الذي جاء بعد فورته وضربة قوية لأطماع الطامعين . وهذا الاتجاه يقتضي البقاء في المدينة معقل الاتجاه الإسلامي ، والتمسك بتقاليدها . ولكن قوة المدينة مضعضعة ، كما أنّ نفوذ التيار القبلي كان قد امتد إلى المدينة موقتا بوجود رجال الأمصار فيها . وبعد ثورة طلحة والزبير ، سار علي إلى العراق ، إلى الكوفة لوجود الرجال والمال هناك ، كما أنّ رجال العراق الذين تدفعهم النزعة الإقليمية والاتجاه القبلي أثروا فيه ليتخذ تلك الخطوة ، وبذلك تخلى عن مركز التيار الإسلامي . وقد تحرج مركز علي في العراق . فهناك كانت التقاليد القبلية وما يصحبها من اتجاهات وحزازات قوية . فالكوفة قبلية حتى في تخطيطها وتوزيع سكانها ، وقبائلها محافظة على تقاليدها البدوية ، ولم تختلط بالشعوب الأخرى ولم تتأثر بالتقاليد الحضرية بعد ، ولا تفهم فكرة الدولة . ولكن الإمام عليا سار في الكوفة وفق الاتجاهات الإسلامية ، وكان هذا لا يناسب الكوفيين الذين يفكرون بمصلحتهم وبمصلحة إقليمهم ويريدون الاستئثار . ولذلك نجد أنه يصطدم باتجاههم في كل أزمة . ففي معركة الجمل أفسدوا عليه استعداده للتفاهم مع خصومه ، بأن اعتدوا بعد تمهيد المفاوضات دون علمه ، وسببوا تلك المعركة الدموية . وفي صفين دفعوه إلى التحكيم كرها ، بعد أن ملوا القتال ، وبعد أن أثرت فيهم الصيحة الإقليمية التي نادى بها أهل الشام . ثم فرضوا عليه أبا موسى الأشعري ليمثله ، ولم يكن من