دكتور عبد العزيز الدوري

67

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

الموالين ، بل كان من المعتزلة ، وقد بين رأيه فيه بصراحة « إنه ليس بثقة ، قد فارقني وخذل الناس عني ، ثم هرب حتى أمنته بعد شهر » « 22 » . ولما اقترح علي عبد اللّه بن عباس احتج الأشعث : « لا واللّه لا يحكم فيها مضريان حتى تقوم الساعة ، ولكن اجعله رجلا من أهل اليمن إذا جعلوا رجلا من مضر » . ولما حذر علي من انخداع اليمن أمام قريش ( عمرو بن العاص ) أجاب الأشعث : « واللّه لأن يحكما ببعض ما نكره وأحدهما من أهل اليمن أحب إلينا من أن يكون ( بعض ) ما نحب في حكمهما وهما مضريان » « 23 » . وأين هذه الصيحة القبلية من اتجاه علّي الإسلامي . وتظهر الفورة القبلية في خروج الخوارج ، فقد كان عامة هؤلاء من رجال القبائل الذين استقروا في الكوفة والبصرة بعد الفتح ، وانفصلوا عن جيش علي بعد الاتفاق على صيغة التحكيم . ولم يكن الخوارج الأولون من القراء كما ظن البعض ، بل إنّ هؤلاء انضموا في ما بعد . فهذا أحد أنصار علي يصفهم بأنهم « أعاريب بكر وتميم » « 24 » ، وتدل روايات أبي مخنف ونصر بن مزاحم على أنهم كانوا من عدة قبائل ، من بكر وتميم وهمدان ومغزة وراسب . ويظهر أنّ بعضهم اشترك في الثورة على عثمان إذ إنّ بعضهم هدد عليا في البداية حين تلكأ في قبول التحكيم وقالوا له : « يا علي ، أجب القوم إلى كتاب اللّه إذ دعيت إليه وإلا قتلناك كما قتلنا عثمان » « 25 » . ولم يكن بينهم أحد من المسلمين الأولين . فهذا ابن عباس يروي لنا مناقشته لهم فيقول : « قلت هاتوا ما نقمتم على صهر رسول اللّه ( صلى اللّه عليه وسلم ) والمهاجرين والأنصار وعليهم نزل القرآن وليس فيهم أحد منكم » « 26 » ، وهو بهذا يدل دلالة واضحة على أنهم أعراب . ولما رأى ابن عباس اعتراضاتهم « قال بعضهم لبعض : لا تجعلوا احتجاج قريش حجة عليكم فإنّ هذا من القوم الذين قال اللّه ( ) فيهم بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ « 27 » ، وهو جواب يظهر سخط

--> ( 22 ) المصدر نفسه ، ج 5 ، ص 51 . ( 23 ) نصر بن مزاحم ، كتاب صفين ، ص 499 - 500 . ( 24 ) الطبري ، المصدر نفسه ، ج 5 ، ص 66 . ( 25 ) ابن مزاحم ، المصدر نفسه ، ص 489 - 490 ، وأبو حامد عبد الحميد بن هبة اللّه بن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ، 4 ج ( بيروت : دار إحياء التراث العربي ، [ د . ت . ] ) . ( 26 ) أبو الفرج عبد الرحمن بن علي الجوزي ، تلبيس إبليس ، عني بنشره للمرة الثانية محمد منير الدمشقي ( القاهرة : مكتبة النهضة ، 1928 ) ، ص 103 . ( 27 ) القرآن الكريم ، « سورة الزخرف ، » الآية 58 ، وأبو العباس محمد بن يزيد المبرد ، الكامل ، حرره عن مخطوطات ليدن ، سان بطرسبرغ وكمبردج وبرلين وليم رايت ، 2 ج ( ليبزيغ : كرسينغ ، [ 1874 - 1893 ] ) ، ص 583 .