دكتور عبد العزيز الدوري

65

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

على خطة عمر ولكنه فاته في مقدار ما أقطع . إلا أنه ردّ على من انتقده في ذلك قائلا : « وقالوا : أعطيت الأرض رجالا . وإنّ هذه الأرضين شاركهم فيها المهاجرون والأنصار أيام فتحت ، فمن أقام بمكان من هذه الفتوح فهو أسوة أهله ، ومن رجع إلى أهله لم يذهب ذلك ما حوى اللّه له . فنظرت في الذي يصيبهم ممّا أفاء اللّه عليهم فبعته لهم بأمرهم من رجال أهل عقار ببلاد العرب ، فنقلت إليهم نصيبهم فهو في أيديهم دوني » « 21 » . وهذا النقد والرد يبينان بوضوح تذمر القبائل من التباين الاقتصادي وقدرة قريش على تنمية مواردها . ولم تكن احتجاجات أبي ذر الغفاري إلا تجاهلا للتطور وحملة على تفشي الترف وتبدل معيشة الناس ، ولكن اللوم وجه إلى الخليفة في حين أنّ الأوضاع العامة تبدلت وذهبت حالة القلة السائدة في بدء الحركة الإسلامية . ومن هذا نلاحظ شكوى من النظام المالي الذي وضع زمن عمر ، وتذمرا من الفوارق المادية بين قريش وغيرها ، ونرى أنّ الاختلاف مع قريش كان قبليا في أساسه إلا أنّ التباين المالي والتطور الاجتماعي زاداه قوة وتأزما . والخلاصة أنّ القوة على عثمان تمثل ثورة القبائل على قريش بالدرجة الأولى ، وهي انتصار للتيار القبلي على التيار الإسلامي . وقد ذهب عثمان ضحية ظروف لم تكن من صنعه ، وإنما هي نتيجة تطور الأمة الإسلامية وتبدل ظروفها . ثمّ انتخب علي بعد مقتل عثمان ، وهو يمثل التيار الإسلامي في اتجاهاته وميوله . وإذا حللنا ظروف انتخابه نلاحظ أنّ نكبة الأمويين في الفتنة تركت الكلمة في المدينة للأنصار وللهاشميين ، ولحد ما لرجال القبائل الذين وطئوا المدينة . وقد أيّد الأنصار عليا ، وكذا الهاشميون . ولقد اعتادت القبائل أن ترى الخليفة من قريش ، ولم يكن في قريش من يتمتع بمثل نفوذ علي ، أو بمثل منزلته الاجتماعية لسابقته ومصاهرته وعلمه . وفضله ، لأنه أميز الصحابة الموجودين . ولكن يظهر لي أنّ نفوذ علي وتأييد الأنصار والهاشميين له كانا العامل الفصل في انتخابه في تلك الظروف المضطربة . ولقد جاء الإمام علي في فترة مرهقة مرتبكة ، في فترة انقسام قريش وتجرؤ الأمصار على المدينة وخرق حرمتها بدخول رجال القبائل المتذمرين الذين ضربوا حرمة الخلافة بقتلهم الخليفة عثمان . ولم تنته الفتنة بانتخاب علي ، بل تلاحقت أحداثها . ولن أحاول هنا مناقشة الحوادث الفردية ، أو تقدير الكفايات ، لأنّ في ذلك إرباكا للتطور الأساسي . ولكني

--> ( 21 ) الطبري ، المصدر نفسه ، ج 4 ، ص 348 .