دكتور عبد العزيز الدوري

64

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

من الترف لكثرة ما حصلوا عليه من غنائم ، حتى صارت الأعرابية تألف لبس الحرير . فصعب عليهم تحمّل الوضع الجديد . ثم إنّ قريشا قبيلة تجارية تعرف استغلال الأموال وتنميتها ، فعرفت كيف تستفيد من أرباحها من الفتوحات ، في حين أنّ عامة القبائل بذّروا ما اجتمع لديهم ولم يستفيدوا من واردهم . فساعد ذلك على حصول تباين اقتصادي كبير بين قريش والقبائل الأخرى . ويكفي أن نشير إلى ثروات بعض الصحابة . فالزبير خلف خمسين ألف دينار وألف أمة وألف فرس عدا الدور . وكانت غلّة طلحة بن عبيد اللّه التيمي من العراق كل يوم ألف دينار . وكان على مربط عبد الرحمن بن عوف مائة فرس وألف بعير وعشرة آلاف من الغنم وبلغ ربع ثمن ماله بعد وفاته 84000 دينار . ولما مات زيد بن ثابت خلف من الذهب والفضة ما كان يكسر بالفؤوس ، غير ما خلف من الأموال والضياع وكانت قيمته مائة ألف دينار . ومات يعلى بن منبّه وخلف 000 ، 500 دينار وديونا على الناس وعقارات وغير ذلك من التركة قيمتها مائة ألف دينار . ويعلّق المسعودي على هذه الأخبار بقوله : « وهذا باب يتسع ذكره ويكثر وصفه ، فيمن تملك من الأموال في أيامه ، ولم يكن مثل ذلك في عصر عمر ابن الخطاب ، بل كانت جادة واضحة وطريقة بينة » « 20 » . وممّا زاد في هذا التباين أنّ أغلب الولاة كانوا من قريش فجمعوا الأموال الوفيرة حتى ضجّ بعض الناس بالشكوى منهم منذ زمن عمر . فاستمع إلى شكوى شاعر من عمال الأهواز : فلا تدعن أهل الرساتيق والقرى * يفيضون مال اللّه في الأدم الوفر نؤوب إذا آبوا ونغزو إذا غزوا * فإنّي لهم وفر ولسنا أولي وفر إذا التاجر الدّاريّ جاء بفارة * من المسك راحت في مفارقهم تجري هكذا تصرف الولاة في زمن عمر وهو من هو في قوته . فمن الطبيعي أن يزداد جمعهم للمال في زمن عثمان المتسامح اللين ، حتى ظهرت البلاد وكأنها مرعى للولاة والمتنفذين . ولقد انتقد عثمان بأنه أقطع الأراضي لأقربائه ولجماعة من المهاجرين . وكان من حقّ الخليفة أن يقطع من أراضي الصوافي التي تعد في المقاتلة الذين شاركوا في الفتح ( أي غنيمة وخمسها لبيت المال ) وليست ملك المسلمين ، ومن حقّ الخليفة أن يعطي منها لمن يشاء . وقد أقطع عمر منها لقليل من الصحابة . وسار عثمان في ذلك

--> ( 20 ) المسعودي ، مروج الذهب ومعادن الجوهر ، ج 3 ، ص 76 - 77 .