دكتور عبد العزيز الدوري

62

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

لثغور الشام بعد أهل الشام ؟ » . وتظهر قوة التيار الإقليمي القبلي في ذهاب علي إلى الكوفة وتركه للمدينة بعد ثورة طلحة والزبير ومكثه هناك . ثم انظر إلى مشكلة إحراق المصاحف . ونبين لك مبدئيا أنّ المصاحف لم تحرق كلها ، والظاهر أنّ مصحف ابن مسعود نفسه لم يحرق . فالكتابة كانت من دون تنقيط ومن دون تشكيل . وإذا أضفنا إلى ذلك اختلاف اللهجات العربية أدركنا مجال الاختلاف بين القرّاء في القراءة ، وهذا أدّى إلى بعض الاختلاف كما أنه أكسب القرّاء نفوذا محليا قويا ، وتمثلت النزعة الإقليمية في تأييد كل مصر لقارئه ، وفي هذا تأييد للكيان المحلي للأمصار وحدّ من سلطة الدولة وإضعاف الاتجاه نحو المركزية كما بدأه عمر وسار عليه عثمان . فكان جمع عثمان للقرآن خطوة دينية سياسية كبيرة يقتضيها حفظ الدين وتحقيق الوحدة . ومعنى جمع القرآن من ناحية ثانية الحدّ من نفوذ القرّاء والحدّ من الاتجاه اللامركزي ، وهذا هو سرّ الضجة على عثمان . وخير تأييد لذلك أنّ أحدا لم يتهم الخليفة بالتحريف . فجمع القرآن وما ولد من ضجيج هو أروع مثل للصدام بين الاتجاه القبلي والاتجاه الإسلامي في سياسة الخليفة . ولقد لمحنا إلى أثر الفتوحات في إحداث الفتنة . ويمكن أن يكون ذلك من ناحيتين ، أولاهما ناحية الاختلاط بالشعوب الأخرى والصدام بين العقائد والسيادة الإسلامية ، وبين العقائد المحلية والنزعات القومية المحلية . ومع أنّ هذه ناحية لها أهميتها إلا أني أميل إلى أنّ الزمن كان أقصر من أن يسمح بإعطاء هذه الناحية تلك الأهمية العامة وإن وجد شيء في هذا الاتجاه فهو فردي . ولكن المهم هو التأثيرات الاقتصادية . فقد حاول الرسول في دعوته مكافحة التباين الاقتصادي ، وحثّ على التعاون الاجتماعي والرفق بأن منع الربا وما صحبه من مآس اجتماعية ومالية في المجتمع المكي ، وفرض الزكاة ، ومنع الكتناز الذهب والفضة ومنع الاحتكار ، ووجه سياسته المالية نحو تحسين أحوال الفقراء والضعفاء بالدرجة الأولى . وفي خلافة أبي بكر بدأ فرض الأعطيات ، فرأى أبو بكر المساواة بين المسلمين في العطاء فلم يفضل « أهل السوابق والقدم والفضل » قائلا : « إنما ذلك شيء ثوابه على اللّه جلّ ثناؤه وهذا معاش فالأسوة فيه خير من الإثرة » « 18 » . ولكن عمر بن الخطاب اجتهد برأي آخر بأن ميّز في العطاء بين المسلمين ، بحسب القدم في الإسلام ، والغناء للإسلام والحاجة . فأعطى من شهد بدرا 5000 درهم في العام ولمن أسلم بعد بدر حتى الحديبية 4000 في العام ، ولمن أسلم بعد الحديبية

--> ( 18 ) أبو يوسف ، كتاب الخراج ، ص 24 .