دكتور عبد العزيز الدوري
58
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
أنّ الرسول « توفي وهو عنهم راض » . ومع ملاحظة أثر الظروف في هذا الحل ، فإننا نتساءل عن مصدر فكرة الشورى . فمن المحتمل أنّ لها جذورا في التقاليد السياسية العربية ، فلها شبيه في مجلس وجهاء القبيلة الذين يختارون الشيخ ، وربما كانت مأخوذة من فكرة الملأ المكي ، وهو مجلس المتنفذين من أهل مكة ، ذلك المجلس الذي نظّمه قصيّ لإدارة شؤون قريش وبنى له دار الندوة ، والذي كان رئيسه أميز من فيه ؛ وهو مع ذلك رئيس مقيد برأي المجلس . وعقد مجلس الشورى عدة اجتماعات وطالت المناقشات حتى اتفق على أن يختار عبد الرحمن بن عوف واحدا منهم وذلك بعد أن تنازل عن حقه وقام عبد الرحمن باستشارات كثيرة ، ثم اختار عثمان وقد اجتمعت أسباب عديدة ، بعضها قبلي وبعضها إسلامي في اختيار عثمان . ولن أقدم رأيا شخصيا في الموضوع ، بل أكتفي بذكر الأسباب التي يوحي بها المعاصرون . إنّ المصادر تؤكد أنّ عبد الرحمن جعل السير على سنّة الخليفتين الأوّلين ، إضافة إلى اتباع كلام اللّه وسنّة رسوله ، أساس الترشيح ، وأنّ عليا لم يعط جوابا إيجابيا قاطعا بل وعد بأن يجتهد في اتباع سنّة سلفيه ، أمّا عثمان فقد تعهد بذلك دون تحفظ . وتخبرنا المصادر أيضا أنّ عبد الرحمن استشار أشراف الناس وأمراء الأجناد ، وحاول معرفة رأي عامة الناس حتى « ضعاف الناس ورعاعهم » ، فوجدهم يشيرون عليه بعثمان . وهذا يوحي بدعاية واسعة نظمها بنو أمية لمرشحهم ، وقد كان بنو أمية يسعون لاستعادة نفوذهم بالتدريج منذ فتح مكة ، ونجحوا بذلك نجاحا كبيرا خلال فترة الخليفتين الأولين . وكان لشيخوخة عثمان أثر ملموس في تقديمه . ويعطي الإمام علي نفسه سببين آخرين . فهو يتهم عبد الرحمن بالانحياز لعثمان لأنه صهره . وهو يعتقد أنّ قريشا تعرف نفوذ بني هاشم واحترام المسلمين لمكانة آل البيت ، وتخشى أن تبقى الخلافة فيهم إن اختير أحدهم ، في حين أنها تبقى متداولة بين أفخاذ قريش ما دامت في غيرهم . ومن هنا نلاحظ أنّ قوة الاتجاهات القبلية كانت في تزايد ، وأنّ التقاليد السياسية في هذا الاتجاه كان لها الأثر الأول في ترشيح عثمان . وفي خلافة عثمان حصلت الفتنة الأولى في تاريخ العرب المسلمين . وهي - لخطورتها ولما تركته من أثر في تطور حياتهم - تستحق دراسة خاصة . لقد اتجه نشاط العرب بعيد حروب الردة إلى التوسع الخارجي وشغلتهم موجة