دكتور عبد العزيز الدوري

59

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

الفتوحات وما صحبها من مجد وتضحيات وغنائم ، حتى إذا مرت السنوات الست الأولى من خلافة عثمان ، وصلت تلك الموجة إلى نهايتها الطبيعية ، فوقفت عند الجبال في الشمال ، وسهوب آسيا في الشرق ، وشمالي أفريقيا في الغرب . وكانت السنوات الست الأخيرة من عهد عثمان سنوات هدوء نسبي ، اتجهت فيها الأفكار إلى الوضع الداخلي . ويعلل المؤرخون الفتنة بالشكوى من عثمان ويحمّلونه مسؤولية ما حصل فيرمونه بالضعف السياسي والإداري ، ويؤاخذونه على تصرفات جعلوها سبب الفتنة ، وهي تقريبه بني أمية وإثراؤه وإثراء أقربائه على حساب مال المسلمين ، وإحراق المصاحف ، وإسقاطه خاتم النبي في بئر أريس وعدم اكتراثه بنصائح المخلصين كأبي ذر الغفاري . إنّ بعض هذه الأسباب لها أهميتها ، ومع ذلك لم تكن بحد ذاتها وبشكلها الظاهر عوامل أساسية ، وإن كان لها أهمية فذلك في ما تحمله من معنى وملابسات . ويكفي هنا أن أبين بعض الملاحظات ، هادفا إلى توجيه بحث المشكل توجيها يؤدي بنا إلى فهم الحالة فهما أدق وأقرب إلى الواقع . ولن يكون ذلك من دون مراعاة الاتجاهات والتطورات العامة . وعلينا أن نلاحظ أنّ الهزات الاجتماعية لا تنشأ حين انفجارها وإنما يسبقها دور تمهيد تتجمع فيه عوامل الشكوى والتذمر والسخط ، ثم تنتظر الظروف المناسبة لتنفجر في دور قد يكون بعيدا عن تكوينها . فعوامل حروب الردة لم تكن من تكوين أبي بكر ، وسقوط الدولة الأموية لم يكن ناتجا من ضعف مروان الثاني ، وقيام الدولة العباسية لم يكن بجهد أبي مسلم أو بجهد أبي العباس ، ولا يقول ذلك إلا من اختلطت عنده ظواهر الأحداث بأصول التطور ، ومن عدّ العرض جوهرا . فللظروف وللتطورات أحكامها وتأثيراتها التي قد تتجاوز كل جهد يبذله الفرد وتكتسح كل محاولة لإيقافها . وبعد ذلك فقد يكون في تصرفات الأفراد ما يساعد على التطور ، وتبدو عبقريتهم في مدى إدراكهم للأوضاع وفي قدرتهم على التوجيه أو المعالجة . ولنرجع إلى مشكلة الفتنة ، فإني أراها ناتجة بالدرجة الأولى من أوضاع ورثها عثمان ولم تكن من صنع يده ، ولكن عثمان لم يستطع تغييرها ، ولا ينبغي أن ننسى أنه ألزم نفسه قبل البيعة بالسير على سياسة أسلافه ، وبويع على هذا . لقد ورث عثمان الاتجاهات القبلية الصاخبة في المجتمع ، وورث الاتجاه الإسلامي وصراعه مع الاتجاه القبلي ، نعم ، ورث هذين التيارين الرئيسين اللذين كانا المحرك الأول للتطور . كما ورث تأثيرات الفتوحات . ولا سيما النظام المالي الذي استندت إليه الإمبراطورية