دكتور عبد العزيز الدوري

57

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

إن التقاليد القبلية لا تقر مبدأ الوراثة بأية صورة ، وإن كانت تعترف بسيادة فخذ أو قبيلة . لذا نرى المهاجرين يحتجون على الأنصار بأنهم عشيرة الرسول ، ولكنهم لم ينتخبوا ابن عمه . ثمّ إن طريقة البيعة بهزّ الأيدي تقليد عربي معروف قبل الإسلام . وتضافرت في اختيار عمر تقاليد قبلية وإسلامية . فعمر بن الخطاب كان أكثر الصحابة نفوذا في خلافة أبي بكر . وقد رشح بعد استشارة الصحابة وتأييد بعضهم له ، وتمت خلافته بمبايعتهم . وهذان الأمران يتماشيان والتقاليد السياسية الموروثة من قبل الإسلام . ومن ناحية ثانية ، كان لخدمة عمر في الإسلام أهميتها . كما أنه ليس من فخذ بارز في قريش ، بل اختير لمؤهلاته وقابلياته ، وهذه ناحية إسلامية لا تأتلف والتقاليد القبلية . ووضع عمر بن الخطاب الشورى لحل مشكلة الخلافة . ولم تكن تلك فكرة آنية ، فإنّ المصادر تدل على أنه فكّر طويلا ، وأنه تردد في تعيين خلف له ، كما تردد في عدم تعيين خلف ، وأخيرا وبعد أن طعن استقر على الشورى بعد إلحاح من الصحابة . وكان لتقرير مبدأ الشورى أسبابه وظروفه المهمة . فقد اختار عمر الستة لأنه وجدهم « رؤساء الناس وقادتهم » كما قال ، ولا تخرج الخلافة عن أحدهم : فعلي سيد بني هاشم ، وعثمان شيخ بني أمية ، وطلحة سيد بني تميم ، والزبير زعيم بني أسد ، وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن بن عوف رئيسا بني زهرة ، وكل له أنصاره ومؤيدوه . ولم يكن عمر ليطمئن اطمئنانا تاما إلى أي من السنّة فيحمله مسؤولية العهد ، بل كان له بعض ملاحظات على صفات كل منهم ، بعضها ثانوي وبعضها مهم نسبيا « 14 » . وكان يعرف طموح كل من هؤلاء الستة ، ويدرك أنه يصعب أن يقبلوا تقديم أحدهم حتى حذّرهم من الاختلاف في الشورى لما في ذلك من خطر على كيان الأمة ، واتخذ تدابر فعالة لمنع الاختلاف . وأخيرا أكد عمر ناحية إسلامية وهي

--> ( 14 ) كان يخشى من علي صلابته وأن « فيه فكاهة » ، ومن عثمان ميله لأهله ، ومن الزبير أنه « مؤمن الرضا كافر الغضب شحيح » ، ومن عبد الرحمن ضعفه ، ومن طلحة كبرياؤه وزهوه ، ومن سعد أنه رجل حرب لا يصلح للسياسة . انظر : المصدر نفسه ، ج 4 ، ص 229 ؛ أبو محمد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة ، الإمامة والسياسة ، 2 ج في 1 ( القاهرة : مطبعة الفتوح الأدبية ، [ 1912 ] ) ، ج 1 ، ص 29 ؛ أبو الحسن علي بن محمد الماوردي ، الأحكام السلطانية ( القاهرة : مطبعة الوطن ، [ 1880 ] ) ، ص 46 ، وأبو العباس أحمد بن يحيى البلاذري ، أنساب الأشراف ، تحقيق محمد حميد اللّه ، ذخائر العرب ؛ 27 ( القاهرة : دار المعارف ، [ 1959 ] ) ، ج 1 ، القسم 4 ، ص 501 - 502 .