دكتور عبد العزيز الدوري
50
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
وعندئذ وجه الرسول هذه الأمة المتحفزة بصورة أقوى وأكفأ على مكة ، وعدها الخصم الأول للأمة ، فكافحها سياسيا بمحالفاته ومناوراته بعد صلح الحديبية خاصة ، وكافحها ماليا بقطع طرق مواصلاتها وتهديد تجارتها بالدمار ، وكافحها بإحداث ثغرات في صفوفها حتى تغلب عليها . ثم قوي نفوذه في الجزيرة بعد التغلب على هوازن وفتح الطائف ، حتى صار يحسب لسلطاته كل حساب ، وتوالت الوفود من الجزيرة . ولكنه مع نفوذه لم ينشئ إدارة مركزية بل ترك للقبائل كيانها وأوفد عنه ممثلين إليها لنشر مبادئ الدين ولجباية الزكاة والعشور . وهذه خطوات ثابتة نحو الحد من القبيلة . كما أنه بحملته التهذيبية الكبرى لتعليم مبادئ الإسلام ، اشتغل بجد من ناحية تعليمية لتبديل الأوضاع ، ولكن الفترة الزمنية كانت قصيرة جدا لتغلغل الدعوة الجديدة . - 3 - توفي الرسول ( صلى اللّه عليه وسلم ) فانفتح الباب لتظهر النزعات المكبوتة حدتها ، ولتؤكد عناصر الانقسام قوتها . فبانت أول ظاهرة للاصطدام بين التيارين الإسلامي والقبيلي بشكل عنيف جارف نطلق عليه اسم « حروب الردة » . والذي نفهمه من الروايات العربية أنّ الجزيرة كلها أسلمت في حياة الرسول ، وخضعت للمدينة ، ثم ارتدت أو تزعزعت بعد وفاته . وكانت حروب أبي بكر مع المرتدين لإرجاعهم إلى الإيمان . ولكن النقد يدلّ على عدم دقة ذلك ، وأنّ القبائل خرجت على المدينة لأسباب مختلفة . فقد نشأت الردة عن خوف القبائل الوثنية من توسع سلطان المدينة ، وعن معارضة قبائل مسلمة لفكرة الخضوع للمدينة ، وعن رغبة البعض الآخر في إنهاء هيمنة المدينة المتمثلة في معاهدات عقدتها مع الرسول ، وعن العصبية القبلية بصورة عامة ، وعن المحافظة الدينية . فهناك قبائل قدمت ولاءها السياسي للرسول . وعدت هذا الولاء شخصيا - بحسب التقليد - ينتهي بوفاة الرسول . وبعضها ، مثل قسم من القبائل في شمالي الحجاز ، كانت لها معاهدات تنتهي بوفاة الرسول . هذه القبائل لم تر موجبا للخضوع لأبي بكر ويمثل حالها قول الشاعر « 5 » : أطعنا رسول اللّه ما كان بيننا * فيا لعباد اللّه ما لأبي بكر أيورثنا بكرا إذا مات بعده * وتلك لعمر اللّه قاصمة الظهر
--> ( 5 ) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، تاريخ الطبري : تاريخ الرسل والملوك ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، ذخائر العرب ؛ 30 ، 10 ج ( القاهرة : دار المعارف ، 1960 - 1968 ) ، ج 3 ، ص 246 .