دكتور عبد العزيز الدوري
51
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
وتوجد قبائل مسلمة ، ترى في دفع الزكاة خضوعا مهينا لها ، مثل بعض بني تميم ، وكانت مستعدة للتمسك بالإسلام دون أن تدفع الزكاة . مرّ عمر بن الخطاب بقرّة بن هبيرة وحوله عسكر من بني عامر ، فقال قرّة : « يا هذا إنّ العرب لا تطيب لكم نفسا بالإتاوة فإن أنتم أعفيتموها من أخذ أموالها فستسمع لكم وتطيع وإن أبيتم فلا أرى إلّا أن تجتمع عليكم » « 6 » . وهو بهذا يجعل الزكاة إتاوة أو ضريبة خضوع . وقد كان أبو بكر دقيقا في ملاحظة النزعة القبلية الخطرة حين عدّ عدم دفع الزكاة انشقاقا عن الأمة ، وخروجا على المدينة . وهناك العصبية القبلية التي تتمثل في رغبة القبيلة عن الخضوع لسلطة خارجية ، وهذه تتمثل في الرغبة عن دفع الزكاة ، وفي تحزب الكثير من القبائل على سلطان المدينة . ومن أمثلة ذلك ما فعله عيينة بن حصن زعيم غطفان ، فقد قام في قومه وقال : « ما أعرف حدود غطفان منذ انقطع ما بيننا وبين أسد ، وإني لمجدد الحلف الذي كان بيننا في القديم ومتابع طليحة ، واللّه لأن نتبع نبيا من الحليفين أحبّ إلينا من أن نتبع نبيا من قريش . وقد مات محمد وبقي طليحة . فطابقوه على رأيه » « 7 » . وهناك قبائل لم تخضع سياسيا ولا دينيا للرسول ، مثل بعض القبائل في اليمامة . فمسيلمة الكذاب طلب من الرسول في حياته أن يشاركه في النبوة وأن يقتسم السلطة معه . فكتب إلى الرسول : « من مسيلمة رسول اللّه إلى محمد رسول اللّه . أمّا بعد فإني قد أشركت في الأمر معك وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض ، ولكن قريشا قوم يعتدون » ، فأجابه الرسول : « بسم اللّه الرحمن الرحيم . من محمد رسول اللّه إلى مسيلمة الكذاب . السلام على من اتبع الهدى . أمّا بعد فإنّ الأرض للّه يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين » « 8 » . وهذا عيينة بن حصن زعيم غطفان الذي أسر وجيء به إلى المدينة ، تذكر عنه الرواية « أخبرني من نظر إلى عيينة بن حصن ، مجموعة يداه إلى عنقه بحبل ، ينخسه غلمان المدينة بالجريد ويقولون : أي عدو اللّه ! أكفرت بعد إيمانك ؟ فيقول واللّه ما كنت آمنت باللّه قط » « 9 » . ولا ينبغي أن ننسى أنّ نجاح الرسول ، والوعي الذي كونته دعوته ، ووجود
--> ( 6 ) المصدر نفسه ، ج 3 ، ص 258 . ( 7 ) المصدر نفسه ، ج 3 ، ص 257 . ( 8 ) حميد اللّه ، المصدر نفسه ، ص 257 . ( 9 ) الطبري ، المصدر نفسه ، ج 3 ، ص 260 .