دكتور عبد العزيز الدوري
49
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
ومن لم يسلم ، وقفوا يحمونه - إلا أبا لهب - مدفوعين بقوة العصبية . وترددت قريش في اتخاذ التدابير الحاسمة ضده خوف الفتنة الداخلية . فاستمرت الدعوة بطيئة ولكنها أكيدة . وجربت قريش مقاطعة صاحب الدعوة وهي مكافحة اجتماعية سلمية لبني هاشم ، فلم تفلح وكان للعصبية القبلية أثر في إخفاقها . ولم تنهج قريش طريقا حازما إلا بعد وفاة أبي طالب ، ولكن الهجرة أنقذت الرسول والمسلمين . جاء الرسول إلى المدينة والمسلمون فيها أقلية ضئيلة . ولكن المدنيين ، المسلمين منهم وأقرباءهم الوثنيين - نتيجة عصبية القرابة - يرتبطون معه بحلف لحمايته ممّا يحمون منه أنفسهم . وخدمت العصبية القبلية الرسول في المدينة من ناحيتين : أولاهما أنّ أهل أخواله ( من جهة أبيه ) في المدينة ، فبينه وبينهم نسب ملزم ، وثانيتهما أنّ هذه العصبية منعت وجود سلطة موحدة فيها ، فهناك الخزرج والأوس واليهود ، مع ما بينهم من أحقاد وثارات ، ممّا مهّد السبيل ، مع الدعوة ، ليصبح المسلمون أقوى كتلة في المدينة وخصوصا بعد بدر . واتجهت تدابير الرسول في المدينة نحو تحقيق وحدة داخلية وتكتيل كل ما في المدينة من قوة ، ثم توجيه هذه القوة على قريش . وكان الاتجاه الإسلامي يمثل قوة نامية تفيض بالحيوية في وسط يخيم عليه الركود والارتباك . وقد استطاع الرسول بعبقريته الفذة وشخصيته الجبارة أن يتفوق تفوقا ملحوظا . بدأ الرسول بنظام المؤاخاة ، والمؤاخاة معروفة لدى العرب ، ولكنه جعلها عامة لا فردية ، جعلها تستند إلى أساس ديني لا إلى الدم كما هو الحال عند القبائل . فآخى بين المهاجرين والأنصار ، ليوثق الروابط ولينقذ المهاجرين من الضائقة المالية . وبعد أن انتصر في بدر ، وضع « كتابا » « 4 » بين المهاجرين والأنصار ، نرى فيه أساسا لتنظيم المسلمين ، فكوّن منهم « أمّة واحدة من دون الناس » تربطهم رابطة الدين ، وتجمعهم العقيدة . ومع أنه اعترف شكليا بوجود الأفخاذ والبطون وحدات اجتماعية في الأمة ، تقوم بدافع الفدية والدية على النحو الذي كان معروفا ، إلا أنها لم يبق لها كيان . فالمرجع الأعلى هو الرسول رئيس الأمة ، والأمة تضم أفرادا من قبائل مختلفة ممّا ينافي الأسس القبلية . والدستور الذي تسير عليه هو القرآن وسنة الرسول ، لا العرف ولا التقليد القبلي . وواجب الثأر على المسلم لأخيه ، أي أنّ الأمة - لا الأقرباء - هي المسؤولة عن كل حدث . وبذلك استحالت فكرة الثأر إلى عقوبة مدنية ، وجعل السلم والحرب مسؤولية مشتركة للأمة لا مسائل فردية .
--> ( 4 ) انظر : محمد حميد اللّه ، مجموعة الوثائق السياسية للعهد النبوي والخلافة الراشدة ، ص 41 - 47 .