دكتور عبد العزيز الدوري

45

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

والحميريين أصحاب الخط المسند والقصور الشامخة ، والمناذرة أحلاف الفرس ، والغساسنة أحلاف الروم ، والمجتمع المكي المتصل بمختلف الجهات . وإذا كانت دول الجنوب قد انهارت أمام قوى البيزنطيين والأحباش والفرس ، وإذا كانت دول الشمال قد انحدرت متلاحقة أو وضعت تحت الحماية نتيجة طموح وتنافس الامبراطوريتين الفارسية والبيزنطية ، فإن الإرث الحضاري لم يتلاش في المجتمعات العربية المستقرة . ولكن انهيار هذه الدول أدى إلى توسع موجة البداوة التي كانت تعم وسط الجزيرة ، وإلى امتدادها إلى بعض الأطراف . وحتى هذه لم تكن بداوة بدائية ، ويكفي أن نشير إلى غنى اللغة العربية وإلى ازدهار الشعر وإلى التطورات الدينية قبيل الإسلام لنرى تعبيرا عن مستوى فكري وثقافي حسن . ولا يهمنا هنا أن نرد على المؤرخين القدامى الذين قدموا صورة مشوّهة للتاريخ العربي قبل الإسلام . فبعضهم حاول تشويه هذا التاريخ بنية حسنة وهي تمجيد الإسلام وتأكيد مجده ، وهم بنيتهم الطيبة لا يحققون ذلك الغرض في نظرنا لأن البيئة التي ينمو فيها الدين لها أثر في تطوره ، وهم في نظرهم هذا جعلوا بعضا من المؤرخين المحدثين ينظرون إلى الحركة الإسلامية بأنها حركة بدوية ، وهذا يناقض أسسها ووجهتها . وآخرون من عرب الجنوب زيّفوا هذا التاريخ وأكسبوه صفة أسطورية ليمجدوا أسلافهم في وجه مفاخر عرب الشمال . وأراد غيرهم من الشعوبيين ضرب التراث العربي القديم فشوّهوه ليؤكدوا تفوّق الأعاجم . وأخيرا جاء بعض المحدثين يكتب دون تمحيص ، ولولا الدراسات الأثرية والحفريات « 1 » لبقينا نتخبط في متاهة مضللة . - 2 - ظهر الإسلام في بيئة مكة الحضرية وكانت توجيهاته وتعاليمه حضرية في أسسها ، فوقف ضد تيار البداوة وضد اتجاهاتها في كثير من الأمور الرئيسية . ويكفينا هنا أن نذكر بعض اتجاهاته : حاول الإسلام أن يكافح الاتجاهات القبلية ، ويظهر ذلك بقوة في مكافحة العصبية القبلية ، وإحلال رابطة جديدة بين الأفراد تحل محل رابطة الدم ، تلك هي

--> ( 1 ) وكأمثلة للنتائج الحديثة أشير إلى بحوث غونزاغ ريكمانز ( Gonzague Ryckmans ) ونيلسون ( Nielsen ) وجاك ريكمانز ( Jacques Ryckmans ) ، وإلى ال Corpus inscriptionum وال Semiticarum Corpus .