دكتور عبد العزيز الدوري
46
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
رابطة العقيدة والإيمان ، وأبدل بفكرة الغزو في سبيل الثأر أو المرعى والماء فكرة الجهاد في سبيل الدين والمبدأ ، والحرب المنظمة في سبيل حماية الأمة والدفاع عنها ، وتجاوز الحدود القبلية بتكوين الأمة التي هي فوق القبائل والتي وضعت مصلحتها فوق كل مصلحة أخرى . ومع أن القبيلة بقيت وحدة اجتماعية فإن الرسول حاول أن يذيبها في الأمة . وأدخل الرسول - عن طريق الدين - فكرة الدولة والقانون إلى العرب ليقابل فكرة القبيلة والعرف . ففكرة السلطة الخارجة عن القبيلة غريبة على البدو ، وهم لا يعترفون بأي قانون خارج تقاليد القبيلة . وقد بيّن الإسلام أن السلطة للّه وحده ، كل سلطة مشروعة فباسمه ، ويجب أن تهدف إلى إقامة العدل ورعاية الأمة . وأساس الحكم الشورى التي ترك سبيل تطبيقها للأمة . وهكذا أدخل الرسول فكرة الدولة باسم اللّه ، وجعل الشريعة القانون العام ، فهي فوق كل شيء لأنها القانون الإلهيء . ولم يجعل الدولة مؤسسة سياسية في رقعة أرضية معينة ، وإنما هي في الأساس هيئة اجتماعية هي الأمة . فقد أكد على البشر أفرادا وجماعات ، ونظر إلى البشرية في مجموعاتها من شعوب وقبائل وأقوام ، وحين يتبع الناس رسالة دينية وتربطهم العقيدة يصبحون أمة . فالأمة هي الكيان السياسي الاجتماعي وحيث تتوسع الأمة تمتد دارها . وجعل الرسول السلطة الدنيوية والهداية الدينية مجتمعتين في شخصه الكريم ، ولم يميز بين ناحية دينية وناحية سياسية بل جعلهما متلازمتين ، فالدين هو الذي يحفظ الوحدة في الأمة . واهتم بالنواحي الاجتماعية ، فأكد المساواة بين المسلمين بصرف النظر عن كل مقياس قبلي أو بشري وجعل أساس التفاضل التقوى . وأصبح هذا من المبادئ التي أثرت في التطور الاجتماعي في الإسلام . واتجه إلى تحسين حالة الضعفاء خاصة النساء والأطفال ضدّ ما يتعرضون له من تجاوز أو تعد . فضمن لهم حقوقهم في الميراث وأبطل أنواعا مريبة من النكاح وجعل الزواج عقدا بين طرفين . وأخذ واجب الثأر من الأقارب وجعله على عاتق الأمة ، أي أنه حوّله من ثأر إلى عقوبة ، ومع ذلك ترك لأقارب القتيل أن يختاروا بين قتل القاتل أو قبول الدية . واتجه في الناحية الاقتصادية إلى تخفيف الشقاء المادي والتباين وإلى الحدّ من الاستغلال . فحرّم الربا ، وهو الفائدة دون مقابل ، وكان وباء المجتمع المكي . وفرض الزكاة في مصلحة الفقير وأكّد على الإنفاق والصدقة ، وأنكر اكتناز الذهب والفضة ، إلا أن تنفق في سبيل اللّه . وكل هذه تشير إلى محاولة لتخفيف التباين المادي والتفاوت الاجتماعي وإلى تأكيد التعاون في الناحية المادية .