دكتور عبد العزيز الدوري
44
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
تجمع أجمل ما في اللهجات وأمتنه ، فاستعملها الشعراء والخطباء ، وأصبحت اللهجة الأدبية في الجزيرة . فكانت بذلك بداية حركة التوحيد اللغوي والقاعدة الأولى في نشوء اللغة العربية الفصحى . وإذا كانت اللغة وسيلة الثقافة الأولى ، وأساس تكوين الأمة ، وخلاصة ثقافتها وعبقريتها ، أدركنا أهمية نشوء هذه اللجهة الأدبية المختارة . ولنلق نظرة على جهة من الجزيرة لأهميتها ، وهي مكة . فقد كانت قبيل الإسلام المركز التجاري الأول في الجزيرة ، سواء أكان ذلك بسبب امتداد فعاليتها التجارية إلى أراضي الفرس والبيزنطيين في الشمال وإلى اليمن في الجنوب ، أم بسبب أسواقها التجارية التي كانت أهم أسواق الجزيرة - على كثرتها - وهي سوق عكاظ ومجنة وذو المجاز . فاكتسبت ثورة وغنى ، وصارت ملتقى التيارات الثقافية النافذة إلى الجزيرة . ثم هي المركز الديني الأول في الجزيرة ، يجتمع فيها عنصر المحافظة والزعامة الدينية ، بفورة التهكم على الشعائر والآراء الوثنية ، وربما كانت مركز حركة الأحناف . وفيها تلتقي الآراء المسيحية بالآراء الوثنية . وإن أولنا بعض الروايات أضفنا الآراء المجوسية ولا سيما المانوية منها إلى ما سبق . وكانت مكة تفيض بالحيوية الاجتماعية ، ففيها تكوّنت طبقة من المثرين المترفين ، إلى جانب جماعات من الفقراء الذين أرهقهم الربا وسحقهم الاستغلال . فكان فيها من يتحمس للوضع ، وفيها من يضطرم بالسخط مما فيه . فهي إذا مجمع للمتناقضات بين إيمان بالوثنية وحماس لها وبين ازدراء لها وتهكم بها ، وبين جماعة مترفة وأخرى بدوية خشنة ، وبين مثرين هانئين وفقراء ساخطين متوثبين . فهي شقاء ونعيم في آن واحد . ومع أن أوضاعها الاجتماعية والسياسية تستند إلى تقاليد القبيلة ، فإن نظام المشيخة كاد يزول منها ، والملأ فيها يختلف عن مجالس القبائل بوضعه واتجاهاته . ومع أن تلك العصبية موجودة فيها نرى أن عصبية الأفخاذ أبرز من العصبية العامة ، كما أن الروح العسكرية فيها ليست قوية كما هي لدى البدو ، حتى إنها استخدمت الأحابيش وبعض الأعراب لحماية قوافلها . فمكة مركز حضري يسير مبتعدا عن البادية على رغم وجود التقاليد القبيلة الظاهرة . وكان من المنتظر أن توجه تجارتها وأسواقها والحج إلى كعبتها وجهة تناقض الاتجاهات البدوية لدى القبائل . يتبين مما مرّ أن الدور الجاهلي لم يكن دور همجية وإفلاس حضاري كما يصورونه لنا ، بل كان فترة حضارة عريقة . فحضارة الجنوب تعود إلى ما يسبق الألف الأول قبل الميلاد ، وما كانت الفعالية الحضارية تضعف في جهة حتى تقوى في أخرى ؛ من معين المتصلة بوادي الرافدين وبالشام ، وسبأ التجارية ، والأنباط الوثيقي الصلة بالحضارة الهلنية ، وتدمر المتصلة بالحضارتين الفارسية والبيزنطية ،