دكتور عبد العزيز الدوري
43
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
جهة أخرى ، وهي تشير إلى أن العقلية العربية سمت على الوثنية البسيطة . ولكن ذلك لا يعني ضعف أثر الوثنية أو انهيارها في تلك الجهات . فللعادة قوة وأهمية في شعب محافظ ، كما أن الشعائر الدينية وثيقة الصلة بالكيان الاجتماعي ، وبتقديس الآباء وليس من الممكن عد الآباء على ضلال . لذا كان للوثنية كيان حتى في الجهات التي سما تفكيرها على الوثنية . ولكن النقطة الأساسية في هذه الناحية هي حصول ذلك الوعي الديني في الجزيرة ، وربما كان من أثره ظهور الأنبياء الكذابين ، وظهورهم - وإن كان يدفعه طموح شخصي - يدل على استعداد لدى القبائل لأن ينحرفوا عن الوثنية المعروفة بعض الانحراف . وتكوّن في الجزيرة نوع من الوعي السياسي ، والميل إلى شيء من التكتل في بعض الجهات . ففي منتصف القرن الخامس للميلاد تكوّنت في وسط الجزيرة مملكة قبلية نتيجة اجتماع عدة قبائل يمانية في وسط الجزيرة برئاسة رئيس واحد ، وتلك هي مملكة كندة . ولكن كان ينقصها العامل الأدبي الموحد ، وتعصف بها العصبية القبلية الخطرة . ولذلك لم تعش إلا حوالي قرن . كما أن طمع الأجانب من فرس وبيزنطيين وأحباش بالسيادة ، وضغطهم على العرب ، إضافة إلى أثر الأسواق في التقريب بين العرب ، أمور ولدت بعض الشعور المشترك . وقد ساءت علاقة عرب الحدود بالفرس والبيزنطيين قبيل ظهور الإسلام . فدولة الحيرة أصبحت محمية ومحكومة حكما مباشرا ، والغساسنة انهار كيانهم وتوترت العلاقة بينهم وبين الروم . ولنا أن نشير إلى الصراع بين بني شيبان والفرس وإلى أثر ذي قار في إحياء المعنويات والصدى الذي بعثه في الجزيرة . وحصل ارتباك في الناحية الاجتماعية وتعطيل للفعاليات السلمية كالتجارة وفوضى مملة . وربما كانت الأشهر الحرم التي فيها يوقف القتال ثمرة محاولة لضمان شيء من الاستقرار في فترة معينة من السنة ليحصل فيها نوع من النشاط السلمي ، تجاري واجتماعي ، وهي بحد ذاتها مظهر في مظاهر المحاولة للتوفيق بين متطلبات الحاضرة للاستقرار ومتطلبات حياة البادية المضطربة . وما النسيء أو تأجيل الأشهر الحرم إلا رد فعل البادية ورغبتها في التلاعب حتى بتلك الأشهر . والنسيء مظهر من تلك المظاهر العامة في الجزيرة التي تدل على وجود نوع من الرأي العام المشترك . وكانت الأسواق عاملا مهما في حياة الجزيرة قبيل الإسلام . كانت وسيلة مهمة للتقريب بين العادات والاتجاهات ، وعنصرا فعالا في تقريب الشعور وإحداث نوع من الاتجاهات العامة . كما قامت بدور في تنشيط حركة التجارة وفي بث الثقافة والآراء . ولها أثر مهم في التقريب بين اللهجات ، وفي تكوّن لهجة منتقاة موحدة ،