دكتور عبد العزيز الدوري
34
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
الكتل لأنه وجد أنهم لا يخلصون لقضيته في خراسان . وهذا يفسر الفقرة الأخيرة التي توصي بقتل كل العرب حتى من بلغ خمسة أشبار . وفهمت أنها توضح خطته وخطة العباسيين بعد انتصارهم في القتل على التهمة لخطورة الأحوال التي لا تسمح لهم بالتروي والتثبت . وهكذا نلاحظ أني حيث أثبت أن الوصية المذكورة موضوعة على لسان إبراهيم الإمام أعود فأستنتج منها سياسة أبي مسلم الخراساني تجاه العرب في ضوء المعلومات التاريخية الأخرى . ولأذكر لك مثلا آخر ، إنه حديث ينسب إلى الرسول ، لا أشك في أنه ليس من الصحيح لاختلاف أشكاله ولاضطراب طريقة روايته ولأنه من أحاديث الفرق . وهو حديث يذكر أن شخصا من تميم اسمه حرقوص بن زهير اعترض على قسمة الرسول لبعض المال بين من حوله حين آثر نفرا تألفا لقلوبهم ، إذ قال للرسول : « أعدل يا رسول اللّه » ، فقال الرسول ( صلى اللّه عليه وسلم ) : « ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل » ! ثمّ قال ( صلى اللّه عليه وسلم ) : « إنه يخرج من ضئضيء هذا قوم يتلون كتاب اللّه رطبا لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الدين ، كما يمرق السهم من الرمية » في رواية ، ثمّ تتم الرواية بمشاهدة هذا قتيلا بين الخوارج في النهروان . فالحديث هذا هدفه بيان أنّ الخوارج يمرقون من الدين . ولكننا حين نعود إلى تحليله في ضوء النتف التي نجمعها عن الخوارج من الطبري والبلاذري وابن أبي الحديد ونصر بن مزاحم ( صاحب كتاب صفين ) والكامل للمبرد نرى أنه يفيد أنّ الخوارج الأولين كانوا في عامتهم بدوا ، خرجوا لنزعتهم البدوية التي تأبى الخضوع لسلطة ، ولعصبيتهم وعدم ارتياحهم لسيادة قريش ، وأنهم حديثو عهد بالإسلام ( وليسوا بقراء كما يحاول بعض المؤرخين تصويرهم ) لأنهم يقرأون القرآن فلا يفهمون منه شيئا ، وأنهم يسهل عليهم الخروج على الدين لعدم فهمهم له « 7 » . وهكذا نرى أنّ رحلة الخوارج في أولها ملخصة في هذا الحديث ، بصرف النظر عن الدافع لوضعه ( وهو مهاجمة الخوارج وتشويه حركتهم على رغم أنها تطورت بعدئذ ) .
--> ( 7 ) هذه الملاحظات لا تتسع لذلك ، بل يمكن الرجوع إلى : الطبري ، تاريخ الطبري : تاريخ الرسل والملوك ، ج 5 ، ص 72 - 73 و 76 - 88 ؛ أبو العباس محمد بن يزيد المبرد ، الكامل ، حرره عن مخطوطات ليدن ، سان بطرسبرغ وكمبردج وبرلين وليم رايت ، 2 ج ( ليبزيع : كرسينغ ، [ 1874 - 1893 ] ) ، ص 528 و 550 ؛ نصر بن مزاحم ، كتاب صفين ، ص 560 - 561 ، 563 و 589 ؛ أبو حامد عبد الحميد بن هبة اللّه ابن أبي الحديد ، شرح نهج البلاغة ، 4 ج ( بيروت : دار إحياء التراث العربي ، [ د . ت . ] ) ، ج 2 ، ص 65 - 66 و 31 - 81 ، وأبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن الجوزي ، تلبيس إبليس ، عني بنشره للمرة الثانية محمد منير الدمشقي ( القاهرة : مكتبة النهضة ، 1928 ) ، ص 102 . وللمقابلة والاطلاع حول تفسير يخالف هذا ، انظر : سهير القلماوي ، أدب الخوارج في العصر الأموي ( القاهرة : لجنة التأليف والترجمة والنشر ، 1945 ) .