دكتور عبد العزيز الدوري

35

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

- 8 - ولا بدّ أن أشير - في النهاية - إلى أنّ هناك خلافا حول ما تنطوي عليه كلمة التاريخ . فبعضهم يقصرها على المعلومات المجردة دون تعليل أو تحليل . فإذا كان ثمّة تحليل وإبداء رأي أدخل ذلك في فلسفة التاريخ . وبعضهم يخالف في هذا ، إذ لا بدّ من أن يظهر أثر تفكير الكاتب ، وهذا يبدأ بالاهتمام ببعض المعلومات بأخذها وترك غيرها ممّا لا يرى له القيمة نفسها . فمجرد اختيار المعلومات فيه وجهة نظر ، كما أنّ الحوادث لا قيمة لها ولا معنى دون نقد وتحليل وربط واستنتاج . وإني ممن يميلون إلى الرأي الثاني . وإني لأعجز عن تصوّر التاريخ هكيلا جامدا ليس فيه إلا العظام . - 9 - كما أنّ القارئ لاحظ أنّ هناك دراسة تفصيلية لموضوع محدود أو دراسة شاملة عامّة لفترة واسعة تتعدّى الجزئيات الدقيقة إلى دراسة الاتجاهات وتحليل التيارات . وهذا النوع الثاني يعبر عن « النظرة الشاملة » في التاريخ ، وإنني أعدها آخر مرحلة في البحث التاريخي ، فهي التي تفتح الآفاق المجهولة وتنير الطريق للسائرين . وفي ختام هذه الرسالة ، أعتذر للقارئ عن أني لم أقدّم إليه معلومات بالشكل المألوف ، ولم أتبع الطريقة التقليدية ، وليست كل بدعة حسنة ، ولكني أقول إني فعلت ذلك متعمدا لأني إنما أردت أن أجعله يعيد النظر في ما ألف ، ويعيد التفكير في كثير من آرائه وبديهياته في تاريخ العرب ، لأني أخشى أن يختنق هذا التاريخ في الغيوم الكثيفة من البخور التي أحرقناها لتحميه ، وفي الغازات المخدرة التي نفثت فيه فكادت تقطع عليه أنفاسه ، وكادت تحجب عن أبصارنا جوهره ، وقد نفرّت عنه الكثيرين . وإنما الأعمال بالنيات ، واللّه يعلم أني قصدت الحق وهو الهادي إلى الرشاد .