دكتور عبد العزيز الدوري

23

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

هذا من جهة ، ومن جهة ثانية لقد حاولت الروايات أن تؤكد أهمية الموالي في الحركة الثقافية في العصر الأموي ، على أنهم مثقفون وأنّ العرب بدو محاربون . فمتى تعلم الموالي اللغة وعلوم الدين حتى نبغوا ؟ وممن تعلموها إن كان العرب بدوا ؟ إنّ الموالي لم يدخلوا الميدان إلا بعد أن استعربوا . والتعريب الشامل لم يبدأ إلا على أثر خلافة عبد الملك ، ومن الثابت لدينا الآن أنّ جلّ حملة العلم في العصر الأموي كانوا من العرب . وكلما لاحظ أصحاب الأهواء عملا رائعا حاولوا تقليل شأنه ونسبته إلى أمور تافهة . فحركة التعريب الكبرى في زمن عبد الملك والوليد وهشام ، تلك الحركة التي شملت الدواوين والنقد والطرز كانت مرحلة حاسمة في التطور الثقافي وفي الاستقرار السياسي والاقتصادي . وربما كانت التعريب هذا أعظم حدث ثقافي سياسي بعد جمع القرآن ، نظم وفق خطة شاملة . ولكن الروايات تظهره مرتجلا ، وتنسبه إلى أسباب تافهة كغضب الخليفة من تلكؤ كاتب ، أو غضب وال من تباطؤ مولى ( وتجعل ذلك هو الدافع لتعريب الدواوين ) ، أو بسبب تهديد البيزنطيين بأن يشتموا الرسول على النقود ، كأنّ النقود صحف للدعاية وكأنّ الناس يقرأون الحروف اليونانية ، وكأن البيزنطيين كانوا يسكون النقود للعرب . ولن أتطرّق إلى تشويههم لآثار الخلفاء الأمويين وللعرب عامة في العصر الأموي ، بل أذكر مثلا يبين أنّ الروايات دست حتى في الحالات التي تتظاهر بالثناء . فعمر بن عبد العزيز كان سياسيا عبقريا وضع خططا مالية وسياسية عملية هدفت إلى إنقاذ الدولة من محنتها وحفظ كيانها من التصدّع للصراع بين العرب والموالي . ولكن الروايات جعلته رجل آراء خيالية ومثل خاوية ومبادئ نظرية وأساؤوا تفسير تدابيره ، ووضعوه على رف الحالمين الحائرين . ثم تمجد الروايات دور الموالي في الدعوة العباسية وترفع أبا مسلم الخراساني ورهطه إلى الذروة ، وتسدل الستار على بني أمية ، غير مأسوف عليهم . فهل رحب الشعوبية بالعباسيين ؟ لقد استقبل الوالي حكم بني العباس بالثورات المتوالية ، سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية ، تظهر بقوة في خلافة المنصور وتستمر في عصر المهدي والرشيد والمأمون والمعتصم ، حتى إنشاء الإمارات الفارسية المستقلة . ولو تصفحت تاريخ العباسيين بدقة لرأيته سلسلة صفحات مملة قاتمة . فأبو العباس متهم عندهم بسفك الدماء وهو بعيد عنه ، يستغلون بذلك تسميته لنفسه بالسفاح ، وقصده الكريم ، فيفسرونه بالسفاك ، مع أنه كان سياسيا مرنا يكره سفك الدماء ويفضل التفاهم واللين على الشدة .