دكتور عبد العزيز الدوري
24
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
وتنتقل الروايات إلى المنصور ، مثبت كيان العباسيين وواضع أسس سياستهم ، فتهمل روائع أعماله وتكرر اتهامه بالغدر والخداع ورغبته في إراقة الدماء . وحين تمرّ بين السياسي والعسكري فتظهره ضئيلا مطموسا . وهي تأبى أن تعترف بقابليته الفذة على اختيار الموقع ، بل تنسب ذلك إلى المصادفة التي جمعته براهب روى له أسطورة ، وإلى حماره الذكي الذي أعجبه المكان . وتنسب سياسته في البدء بحركة الترجمة المنتظمة إلى دافع شخصي ، إذ إنه عندها مصاب بمرض في المعدة وكفى . أمّا إنقاذ الدولة من أبي مسلم وتمرده ومن دعايته الخطرة التي بعثت آمال بعض الفرس في السيادة ، وأمّا قمعه للثورات الفارسية ، فتلك فظائع في نظر الروايات لا تنسى . وإذا ما تحدثت عن المهدي ، صاحب السياسة المسالمة التي أراحت الرعية - ولكن بعض إيران ساخط ثائر مع المقنع - صورته لنا مترفا باذخا شغله انصرافه إلى الترف عن العناية بشؤون الرعية تاركا دولته لوزرائه ، يتهم خصومه كبشار بن برد ( الذي تحاول أن تظهره بمظهر البريء من الزندقة ) ، ليتخلص منهم . أمّا الرشيد ، فتعده تلك الروايات خليفة لا معا حين أيدته البرامكة . فالبرامكة - في زعمها - سر مجده وروح العصر الذهبي ، وهم مثل الكرم والسياسة . فكفر الرشيد بنعمة اللّه عليه حين نكبهم ، وهل يجود الدهر بمثلهم ؟ كلا ! وعادت الروايات إلى الرشيد فصورته مصابا بالنقص ، وجعلته مجمع الشذوذ الجنسي ، يجب جعفرا حبا مريبا ، ويجب أخته حبا جما ، فيجمع بين نقائض الشذوذ ، ويخلقون من التناقض أسطورة يلطخون بها جبين الأسرة العباسية وجبين العرب بشكل قبيح منقطع النظير . ثم لا يلتفت المؤرخون إلى التناقض ، فالرشيد لم يكن عندهم إلا شبحا يحكم باسمه البرامكة دون رقيب ، ولكن الشبح هو الذي بطش بالبرامكة ، وهو الذي بطش بالروم بعد نكبة البرامكة ، بل ينشط الشبح حتى يذهب إلى أقصى الشرق ليقمع ثورة خراسان التي قادها رافع بن الليث ، فيلقى أجله . وتتغافل الروايات عن وجود كتلتين في البلاد العباسية : كتلة عربية وأخرى فارسية يمثلان التنافس على السلطان بين العرب والفرس ، وتنسى الروايات محاولة الرشيد أن يستغل ذلك ليسيطر على الحالة ويحدث التوازن ، فلما كاد يختل بطش بالكتلة الفارسية بمعاونة الكتلة العربية . وهي بعد ذلك تتخبط في عرض صفات الرشيد بين الرضا عن القسم الأول من الحكم والسخط على القسم الآخر منه . فهو تقي ورع ، وهو مدمن متحلل ، وهو جندي مجاهد ، وحاج يسير على الأقدام ، وهو مترف يقضي وقته بين الجواري والقيان ، وهو ساهر على مصالح رعيته ، يدور متنكرا في الليل ليفهم الأحوال ، وهو مهمل متراخ - كل ذلك يجمعونه في شخص واحد .