دكتور عبد العزيز الدوري

22

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

كيانه ودستوره الأعلى . وراحت تلومه على ترف الناس وثروتهم متجاهلة ما فاض في الفتوحات من أموال وما كان من أثر لا طلاع العرب على ما وجدوه في البلاد المفتوحة من أطايب المعيشة . وجاءت إلى الإمام علي ( ) ، فصورته ضعيفا في السياسة بعيدا عن الدهاء قليل التأثير فيمن حوله ، واتخذت عزله للولاة عند توليته الخلافة أول دليل على ذلك ، لأنه كان عليه أن ينتظر حتى تؤخذ له البيعة . وهذا حديث خرافة ، لأنّ القول في البيعة يعود إلى المدينة وحدها ، ولأنّ الثورة كانت على الولاة بالدرجة الأولى ، ولأنّ عليا إن أراد اتباع سياسة خاصة فعليه أن ينحي ولاة الفترة السابقة . وبعد فهو الخليفة . ولكن الروايات تتجاهل ما هو أهم وهو أنّ مثله العليا الإسلامية كانت بعيدة عن فهم قبائل العراق وعرب الأمصار ، فكان اتجاهه يناقض ميولها . وحّملته سبب خيبته في حين أنّ أصول الثورة التي طوّحت بعثمان ، وهي ثورة الروح القبلية الإقليمية والحسد لقريش هي سبب تلك الخيبة . وجاءت الروايات إلى بني أمية . فوجدت في الخصومة بينهم وبين آل البيت من علويين وعباسيين موضعا تشن منه الحملات العنيفة . ولقد ظنّ الكثيرون أنّ سبب طمس تاريخ بني أمية وتشوّه الكثير من آثارهم يعود إلى الحزبية . فما قولك ب أنساب الأشراف الذي يعد من أدق ما عندنا عن بني أمية ، مع أن مؤلفه البلاذري عاش في العصر العباسي وبقرب خليفة متعصب هو المتوكل ؟ ثم ألا ينتظر أن يتوجه الهجوم الحزبي إلى معاوية الذي أخذ الخلافة ، وهشام الذي قتل في زمنه زيد بن علي ؟ إلا أننا لا نلمس ذلك في الروايات ، بل نلاحظ شيئا من الثناء على كفايتهما في السياسة والإدارة . نعم لا ينكر أثر العباسيين ، ولكن هؤلاء لم يقيدوا الكتابة أو يوجهوها كما يظن ، بدليل أنهم أنفسهم رسمت لهم صورة لا تقل عبوسا في كثير من نواحيها عن صورة الأمويين . لقد صوروا العرب في العصر الأموي أعرابا ، في حين أنّ أسس الحضارة والثقافة العربية والفقه الإسلامي أنشئت في تلك الفترة . وجعلت الروايات النظام الأموي المالي سلسلة تدابير ظالمة ترهق الموالي وأهل الذمة ، في حين أنهم ساروا على الأسس التي عرفت في عصر الراشدين مع تعديلات اقتضاها العرف المحلي والتطور ، وهي بمجموعها أصلح وأعدل من نظم البلاد قبل مجيء الإسلام . هذا بالإضافة إلى أنها هي النظم التي سار عليها العباسيون نفسها ، بل زادوا عليها أيضا حين تطورت ظروفهم . وحاولوا التقليل من شأن فتوحاتهم في الشرق ، وإظهارها بمظهر غزوات للحصول على الغنيمة فحسب ، مع أنها تمثل الموجة الثانية الكبرى والأخيرة للتوسع العربي .