دكتور عبد العزيز الدوري
16
مقدمة في تاريخ صدر الإسلام
وليتجهوا إلى الحرب والجهاد ، وإنهم أخذتهم نشوة النصر ونشوة العصبية فاحتقروا من حولهم . وقيل لك إنهم بدو أميون ، فاضطروا إلى الاعتماد على غيرهم في الإدارة والكتابة ، وخصوصا في النواحي المالية . وإن درست تاريخ الحضارة قيل لك إنّ العرب سرعان ما خضعوا لحضارات الهلال الخصيب وانجرفوا معها ، وإنهم اقتبسوا كل شيء من جيرانهم ، فصارت حضارتهم مرقعة متنافرة . ولكنهم مع ذلك يشيدون بالشعر الرفيع ، والأدب الفياض في صدر الإسلام ، وتدهشك وفرة من اشتغل منهم بالحديث والتاريخ والتفسير والفقه . ثم تنظر إلى الناحية البشرية من التاريخ ، فيخبرونك أنّ الهجرة العربية التي لازمت الفتح دفعت بقبائل بدوية إلى أراض حضرية ، وأنها سبقتها هجرة عربية وهجرات سامية ، وأنه كان في الهلال الخصيب مجموعات من العرب عاشت طويلا وتأثرت بالحضارات الأخرى فيه ولا سيما القديمة منها . وتجد مع ذلك أنّ الموجّه لهذه الموجة كان قريشا ، تلك القبيلة التي أنجبت زمرة لا معة من العبقريات في السياسة والقيادة والإدارة والفقه والأدب . وهم مع ذلك يخبرونك أنّ قريشا قبيلة بدوية . وبعد هذا تتساءل أين صار عرب الجنوب ؟ ألم يكن لهم دور في الدولة الجديدة والحضارة الجديدة ؟ فلا تجد جوابا . وهكذا تتحير وسط هذه الأحكام المتنافرة . ثم ارجع وناقش كيف احتقر العرب من حولهم ، وانفصلوا عنهم ، ثم تأثروا بهم بهذه السرعة الغريبة ، وكيف اعتزوا بكيانهم ثم تخلوا عنه لهذه المرقعة . ثم كيف تصفهم بعد هذا كله بالأمية ، ويروى لك أنّ الشاميين وحدهم رفعوا في صفين خمس مئة مصحف يطلبون التحكيم . وليت شعري أين صارت محاولات الرسول والصحابة لنشر التعليم الذي بدأ في مسجد المدينة ، وبثه الخلفاء في كل جهة من الجزيرة . ثم إنك حين تعود لبحث ثقافة العرب في صدر الإسلام تجدهم قد اتجهوا نحو العلوم الدينية من دراسة لحديث الرسول ، وحفظ للقرآن وتفسيره ، واهتمام بالتشريع للأوضاع الجديدة التي قابلوها في الهلال الخصيب والبلاد المفتوحة ، هذا إلى اهتمامهم بالشعر والعربية . وتجد جنب ذلك ازدهارا شعريا في وفرته وفي فنونه الجديدة واتجاها للاهتمام بعروضه ، وعناية بالعربية ووضع قواعد للنحو والصرف . وتجد بداية الدراسات التاريخية . وإن استعرضت تلك الزمرة اللامعة التي رفعت لواء الحركة الثقافية ، وجدتها من الصحابة ، وأبناؤهم ممن نشأ في المدينة وتثقف على يدي الرسول ( صلى اللّه عليه وسلم ) ، وممن تثقف على أيدي هؤلاء في الأمصار ، وعامتهم من العرب وبينهم عدد ضئيل من مواليهم الذين نشأوا بينهم وتثقفوا بثقافتهم .