دكتور عبد العزيز الدوري

17

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

وإن رجعت إلى الإدارة وجدتها تبدأ ببدايات بسيطة ، ثم تنمو وتتطور . وضع الرسول ( صلى اللّه عليه وسلم ) الأسس الكافية للزكاة والغنيمة ، ووضع أسس الجزية في الجزيرة . وجاء عمر بن الخطاب فنظم الإدارة بصورة شاملة مستفيدا من التراث الموجود في البلاد المفتوحة وخاصة العراق والشام ومصر - وهو تراث تمتد جذوره ولا شك إلى أقدم فترات تاريخ هذه البلاد - فتبدو تدابيره مختلفة من بلد إلى آخر بحسب إرثه . ولكننا نجد وسط هذا الاختلاف اتجاهات نحو التوحيد ومحاولة لتكوين كيان موحد . فهو يريد العرب أمة للجهاد ويضع الأعطيات والأرزاق لتتفق وهذا الاتجاه . وهو لا يستحسن اتجاه العرب إلى الزراعة ويذكرهم برسالتهم قائلا : « أفأنتم مستخلفون في الأرض ، قاهرون لأهلها . . . فلم تصبح أمة مخالفة لدينكم إلا أمتان ، أمة مستعبدة للإسلام وأهله يجزون لكم ( أي يعطون الجزية ) تستصفون معائشهم وكدائحهم ورشح جباههم ، عليهم المؤنة ولكم المنفعة . . . وأمة قد ملأ اللّه قلوبهم رعبا » « 1 » . وهو يعتبر الجزية والخراج رمزا لخضوع من يؤديهما ، ولكنه يدخل مبدأ إسلاميا جديدا وهو أنّ الدين ، لا الغلبة ولا العنصر ، أساس التمايز ، أمّا المسلم فلا يدفع ضريبة لبشر وإن دفع زكاة أو صدقة فهي للّه . وتبدأ في عصره بدايات نحو تنسيق الإدارة المالية وهو اتجاه أدى إلى التوحيد بعد أقل من قرن . وبدأ عمر أول خطوة نحو التعريب بإنشاء دواوين الجند بالعربية ، وبنقش عبارات عربية على الدراهم الساسانية . وكان جمع القرآن وتثبيت نصوصه ضمانا لوحدة اللغة ولتركيز أسسها وضربة موجهة ضد التمسك باللهجات . هذا إلى أنه دستور الأمة والأساس الأول للتشريع . وقد استعان العرب بالأعاجم في الإدارة المالية وخاصة في الجباية وفي دواوين الخراج لمعرفتهم بشؤونها ، ولم يكن ذلك لأميتهم ، بل لضرورات تتصل بنظرتهم إلى الدولة ، وخير توضيح لذلك هو قول عبيد اللّه بن زياد : « كنت إذا استعملت العربي يكسر الخراج ، فإذا أغرمت عشيرته أو طالبته أو غرت صدورهم ، وإن تركته تركت مال اللّه وأنا أعرف مكانه . فوجدت الدهاقين أبصر بالجباية وأوفى بالأمانة وأوهن بالمطالبة منكم ، مع أني جعلتكم أمناء عليهم لئلا يظلموا أحدا » « 2 » . فاستخدام الأعاجم إذا يتصل بمشكلة اجتماعية مهمة .

--> ( 1 ) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري ، تاريخ الطبري : تاريخ الرسل والملوك ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، ذخائر العرب ؛ 3 ، 10 ج ( القاهرة : دار المعارف ، 1960 - 1968 ) ، ج 4 ، ص 417 . ( 2 ) أبو الحسن علي بن محمد بن الأثير ، الكامل في التاريخ ، 13 ج ( بيروت : دار صادر ، 1965 - 1966 ) ، ج 4 ، ص 140 .