دكتور عبد العزيز الدوري

15

مقدمة في تاريخ صدر الإسلام

الرسالة الأولى مع المؤرخين التأريخ موضوع حي يقوم بدور بليغ في الثقافة ، وفي التكوين الاجتماعي والخلقي ، وله أثره في فهم الأوضاع القائمة وفي تقدير بعض الاتجاهات والتطورات المقبلة . وهو يتأثر بالتيارات الفكرية وبالتطورات العامة . ولذا كثرت النظريات في تفسيره - بين تفسير ديني ، وفلسفي ، ومادي ، وعلمي ، وتباينت الآراء في طرق تحليله بين من يجد فيه قوانين عامة ومن يؤكد على الحتمية فيه ، وبين من يرى فيه فوضى متصلة ، ومن يجد فيه عبرا وفوائد وخبرات . وهو موضوع ميسور بعض اليسر لمن أراد الكتابة فيه . لهذا كان مسرحا لكثير من الهوى ولقليل من البحث الدقيق . - 1 - وحقل التأريخ واسع ، يحتاج إلى نظر بعيد وإلى صبر وأناة . ولقد قسم - لتسهيل بحثه - إلى تأريخ سياسي ، وتأريخ ثقافي ، وتأريخ اجتماعي ، وتأريخ ديني ، وتأريخ اقتصادي . وأحيط ببحوث أخرى كالجغرافية التاريخية والأنثر وبولوجيا . وتقسيم كهذا لا يستند إلى أساس ، فضلا عما يحفه من مخاطر . فالأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية مشتبكة يؤثر بعضها في بعض ويتأثر بعضها ببعض . والجغرافية التأريخية لها أثرها القوي ، وللهجرات البشرية دور حيوي في تكوينه وتطوره . ولا يمكن بحال فهم التطور في ناحية من النواحي ما لم يفهم في النواحي الأخرى . وهذا التقسيم يفصل نتائج البحوث بعضها عن بعض ، فيجعلها كلها مبتورة أو متناقصة . ولأذكر مثلا يوضح هذه الناحية : إنك إن درست تأريخ صدر الإسلام ، وقابلت بعض البحوث في النواحي المختلفة منه فهمت أنّ العرب حين خرجوا من الجزيرة اصطدموا بأمم متفسخة هزيلة ، فانهارت أمامهم . وقيل لك إنّ العرب سكنوا في معسكرات منفصلة ليحافظوا على طابعهم العسكري