غسان فوزى طه
22
شيعة لبنان ( العشيرة - الحزب - الدولة ) ( بعلبك - الهرمل نموذجاً )
والتدقيق في المرويات التاريخية المتناثرة . ويمكن القول في هذا المجال إن بعض هذه المرويات يمكن الركون إليها في معرفة تاريخ هذا التشكل ، إلا أن بعضها الآخر بقي غائبا ، مما يعني أنه سيتم الاعتماد على بعض المرويات التي جاءت في كتب المؤرخين ثم على ما تناقلته الألسن في رصد الهجرة المتأخرة . وما يمكن التأكيد عليه في هذا المجال ، هو أن سكان المنطقة لم يأتوا في فترة تاريخية واحدة ولا من مكان واحد ، بل يمكن تصنيفهم إلى فريقين : الأول جاء من مناطق جبيل وكسروان في جبل لبنان ، والثاني من الجبال المجاورة وهي السفوح المطلة على السهل والمحاذية لسلسلة الجبال السورية . وهذه العائلات هي من الطائفة الشيعية التي هي موضوع بحثنا ؛ وسنتعرض لرصد بدايات تشكّلها ثم التركيز بشكل أساسي على العائلات التي لعبت دورا أساسيا في السلطة عبر المراحل الزمنية المتتالية أو تلك التي دخلت معها في علاقات تحالفية . إن ما يجمع عليه المؤرخون ، هو أن العائلات والعشائر الشيعية في هذه المنطقة ليسوا بأجمعهم من سكانها الأصليين ، بل قدموا إليها في فترات تاريخية متلاحقة ومن مناطق مختلفة . فأكثرها جاء من جبيل وكسروان حيث تميز تاريخها هناك بالصدامات مع السلطات المركزية وتحدّ من السلطات المحيطة بدءا من المماليك وحتى الأمراء الشهابيين . ونتيجة للظروف غير المؤاتية وفدت إليها عائلات أخرى من المناطق المحيطة ومن مناطق أخرى في لبنان . وقبل حوالي قرنين لم يكن في المنطقة عائلات شيعية ، فما هو أصل سكان بعلبك ؟ وكيف جاؤوا إليها من كسروان وجبيل ومن مناطق أخرى . ذلك أنه قبل هذا التاريخ لم تكن العائلات الشيعية تشكل ثقلا عدديا بإزاء العائلات السّنية والمسيحية التي كانت ولا تزال تقطن فيها منذ ذلك الحين ، فكانت موجودة إلى جانب هذه العائلات وتعزّز وجودها بعد حركة النزوح إليها من الجبال الشرقية المجاورة ، ومن الجنوب اللبناني ، لأسباب تعود إلى إحساس العائلات المهاجرة بالأمن في ظل سيادة الأمراء الحرافشة وهم من الشيعة . ولكن هذا الرأي يثير بعض التساؤلات ، فتاريخ الأمراء الحرفوشيين في السلطة يعود بحسب بعض المؤرخين ، إلى فترة سبقت بقليل زوال عهد المماليك ؛ حيث يؤكد المؤرخ ابن طولون الدمشقي « 1 » والمتوفى عام 1646 م بأنهم كانوا على نيابة بعلبك عام 1497 م . وهو ما يؤكده مؤرخون آخرون كالحسن البوريني في تراجم الأعيان ، مما يعني أن العائلات الشيعية ، لم تكن
--> ( 1 ) شمس الدين بن طولون العالمي ، الكواكب السائرة ، الجزء الثاني ، صفحة 52 ، ورد ذلك في كتاب الدكتور حسن نصر الله ، تاريخ بعلبك ، دار الوفاء ، بيروت 1994 ، ص 226 و 227 .