غسان فوزى طه
23
شيعة لبنان ( العشيرة - الحزب - الدولة ) ( بعلبك - الهرمل نموذجاً )
على ذلك النحو من العدد القليل ، إذ لو كان الأمر كذلك لأصبح السؤال هو : كيف استطاع الأمراء الحرافشة بناء سلطتهم وإخضاع المنطقة دون الارتكاز في عصبيتهم على تجمعات شيعية تمدهم بالجند ، وتساندهم في تركيز دعائم نفوذهم آنذاك ؟ ويمكن أن نعثر على ما يشير إلى قيام الوجود الشيعي قبل حركة النزوح من الجبل ، أي إلى فترة الفتوحات الإسلامية ، من خلال إيراد بعض ما ذكره المؤرخون من الإشارات التي يمكن من خلالها تأكيد هذا الوجود . فحسب ما ذكره اليعقوبي « في نص يعود إلى القرن التاسع الميلادي » : إن بعلبك قومها من الفرس وفي أطرافها قوم من اليمن « 1 » . وهم أنفسهم الذين سكن بعضهم في أطراف المدينة ويعود أصلهم إلى قبيلة همدان اليمنية وهم من الشيعة . ذلك أن همدان كانت ديارهم في اليمن ، ولما جاء الإسلام تفرق منهم وبقي من بقي . وكانت همدان شيعة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب « 2 » ، تفرقت من اليمن ونزل بعضها في بلاد الشام ، ونالت بعلبك نصيبا من حركة هذا النزوح وسكنت فيها حتى سمي أحد أبوابها باسم باب همدان نسبة إلى أهلها ، وهو الباب الذي ذكره ابن عساكر في « تهذيب تاريخ ابن عساكر » بقوله : « في الميدان الأخضر خارج باب همدان بعلبك « 3 » نسبة إلى هوية القاطنين في تلك الجهة من المدينة » . والقاعدة ، أن أبواب المدينة الإسلامية تسمى بحسب ما تفضي إليها خارجها ، أي بحسب المكان أو البلد الذي يقصده الناس عادة وهم منطلقون منها « 4 » . وهذا الباب كان يفتح على « الميدان الأخضر » « 5 » أي على مرجة المدينة الكائنة تحت نبع رأس العين وهي من معالمها المعروفة حتى اليوم ، ووراءها مباشرة السفح الجبلي من جبال السلسلة الشرقية ، وفي هذه السلسلة يمكن أن يكون قد سكنها أقوام من الشيعة ونزل بعضهم إلى المدينة . وقد يكون هؤلاء هم أنفسهم الذين قصدهم اليعقوبي في نصّه حيث أشار إلى أن في أطرافها قوما من اليمن . أما العائلات السنية ، فارتبط تاريخ وجودها بتاريخ فتح المدينة في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب . وارتباطهم بهذا التاريخ يعود إلى موقعها الذي شكل قاعدة لانطلاق الجيوش للمرابطة على السواحل لصد هجمات الروم . مما يعني إقامة أعداد كبيرة من الجيوش التي جاءت مع الفتح وسكنت فيها خصوصا في عهد الأمويين ، حيث لاقت أهمية عند الخلفاء الذين
--> ( 1 ) ابن واضح اليعقوبي ، البلدان ، ورد ذلك في كتاب التأسيس لتاريخ الشيعة للشيخ جعفر المهاجر ، دار الملاك ، بيروت 1992 ، ص 117 . ( 2 ) أحمد بن علي القلقشندي ، صبح الأعشى في صناعة الإنشاء الجزء الأول ، دار الكتب العلمية ، بيروت 1987 ، ص 380 . ( 3 ) علي بن الحسن بن عساكر ، تهذيب تاريخ ابن عساكر ، الجزء الرابع ، ( د - ت ) ، ورد ذلك في كتاب جعفر المهاجر : التأسيس لتاريخ الشيعة مرجع سابق ، ص 119 . ( 4 ) المرجع نفسه ، ص 119 و 120 . ( 5 ) المرجع نفسه ، ص 120 .