صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )

503

حركة الإصلاح الشيعي

وضعهم الاجتماعي مزعزعا . وهذا ما يفسر غلبة المسلك المتأني العملي لدى الأولين ، وتحفز الأخيرين ومسلكهم الإرادي . وينتج عن هذا الوضع أيضا ، موقف اجتماعي محافظ لدى العلماء ( أكان ذلك على صعيد الموقف من السلوك الجنسي وموقع المرأة ، أم في المجالات الاقتصادية والاجتماعية ) . وكان السياق الذي تطورت فيه حركة الإصلاح العاملية هذه ، هو الفوضى التي أحدثها انهيار الدولة العثمانية ، والبلبلة التي بذرتها الحرب الكبرى ، والحيرة التي أوقعها قيام الانتداب الفرنسي وإنشاء لبنان الحديث . وكان على أولئك الرجال أن يتآلفوا مع جميع هذه العناصر مجتمعة ، متخبطين بين الحفاظ على ما حلموا به من أحلام باتت مستحيلة التحقق ، وبين وضع سياسي باتوا يحاولون السيطرة عليه . فكان الجواب على مثالية البعض منهم ، بالموقف العملي لدى البعض الآخر . وكانت حركة الإصلاح الشيعية هذه قريبة إلى حد ما ، على الرغم من إغراقها في التعلق بالمعتقدات والقيم الإمامية ، من نظيرتها حركة الإصلاح السنية التي أطلقها ( الشيعي ) جمال الدين الأفغاني الأسدآبادي وتلميذه محمد عبده . وكان محسن الأمين ، تبعا لروح العصر ، يشاطر هذا الأخير قناعته بأن إصلاح المجتمع يتم بتعليم جمهور الناس وتربيتهم وتدريبهم . ولم تكن الكتابة حول هذا الموضوع ، في رأي المجتهد المقيم في دمشق ، كافية لإقناع معاصريه . ولذلك أسس فيها مدرسته في حارة الشيعة ، منذ سنة 1901 ، وأدخل في منهجها علوما وضعية حديثة إلى جانب العلوم الدينية التقليدية ؛ ثم افتتحت فيها في سنة 1925 مدرسة للبنات ، ودروس مسائية للراشدين توّجت بالحلقات الأدبية . وقد حاول علماء جبل عامل أن يتبعوه في ذلك ، ولكن على إثر خلافات داخلية وتنافس على قيادة الحركة ، لم تفتتح إلا مدرسة واحدة سنة 1938 ، أسسها عبد الحسين شرف الدين . أما الدروس الدينية العليا التي كانت تفتح الباب على الاجتهاد والدخول في سلك العلماء ، فكان محسن الأمين وعاملي آخر من العلماء الشباب هو محسن شرارة ، أول من وجّه إليها نقدا منهجيا في أواخر العقد الثالث من القرن العشرين . فقد هاجم كلاهما ، الفوضى في الدروس ، والكتب البالية ، وفقدان التوجه التربوي ، وعدم الالتزام بالنظام ، والمواقيت ، والمنهاج الخ . . . ثم انضم إليهما ، بعد جدال طويل ، علماء آخرون فطالبوا بالإصلاح ، ومنهم العاملي علي الزين الذي وصل به الأمر إلى أن نادى بإصلاح منهجيّ لنظام التعليم برمته ، وإلى أن أعاد النظر في مسألة الاجتهاد . إلا أن الساعة لم تكن قد حانت لإصلاح نظام التعليم هذا ، إذ كانت مرونته وتحرره يؤمّنان له الاستقلال عن الدولة ، كما كانا يؤمنان استقلال المراجع الشيعية عنها . أضف إلى ذلك ، أنه كان من المستحيل التصدي لمبدأ المناظرة بين العلماء ، وهو مبدأ أساسي يقوم عليه اختيار المجتهدين وانتخاب المرجع .