صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )
504
حركة الإصلاح الشيعي
بعد أن جعل محسن الأمين إصلاح المدرسة واقعا ، انكب على إخضاع الشعائر الدينية للعقل وللانتظام وللتنظيم ، ولا سيما شعائر عاشوراء الشعبية ، وكان العثمانيون قد بدأوا بالسماح بإقامتها على الملأ بالتدريج ، ابتداء من العام 1895 . وكان لا بد لهذه الشعائر ، في رأي عالمنا ، إذ أصبحت تشاهد علنا ، أن تعكس صورة صحيحة عن التشيّع وعن الطائفة الشيعية . على أن الروايات الكاذبة ، والكلام المغلوط الذي يلقيه القراء الأميون بالعامية ، والشعائر الدامية التي يقوم بها التوابون في مواكبهم ، والمشاهد التي يقوم الممثلون فيها بأدوار أهل البيت ، لم تكن في رأيه تناسب الشرع الحنيف . ولذلك قام محسن الأمين بإصلاح مجالس العزاء الحسينية ، كما أنه حرّم الشعائر القائمة على أذى النفس وعلى التمثيل المسرحي للفاجعة ، وذلك تحت شعار تحريم البدع ، واحترام مقام أهل البيت . وقد أثار إصلاحه هذا ، موجة عارمة من الاستنكار تخطت حدود جبل عامل بكثير ، وأدى إلى قيام مجادلات صاخبة بين العلماء في العتبات المقدسة في العراق ، وأطلق الغضب في صفوف عامة المؤمنين . وذلك أن محسن الأمين قد تجرأ على مهاجمة الشعائر التي كانت تعبر عن كنه روح التشيّع ، ألا وهو حب الأئمة الظاهر في ذكرى شهيدهم المتجددة على الدوام . دعا كل من المجتهدين محسن الأمين وعبد الحسين شرف الدين ، ابتداء من العقد الثاني من القرن العشرين ، إلى الوحدة بين المذاهب الإسلامية وهي وحدة ينبغي لها أن تقوّي المسلمين وتحصنهم في وجه هجمات أوروپا عليهم في جميع المجالات . وقد بدأ محسن الأمين الحوار مع رشيد رضا ، وريث محمد عبده والناطق باسم الحركة السلفية وصاحب أداتها الإعلامية مجلة المنار . وقد ثابرا معا على جدال طويل معبر عن طول المسار إلى الوصول إلى تفاهم لن يتم بعد اليوم على الصعيد السياسي بل على الصعيد المذهبي . والحق أن الشيعة الإمامية ، وهم أقلية في مقابل الأكثرية السنية ، قد جهدوا في سبيل القبول بهم في صلب الأمة والاعتراف بهم جزءا منها ، إلا أنهم لم ينكروا لذلك خصوصياتهم ، بل على العكس فإنهم أصروا عليها . وقد ساهم علماء جبل عامل مساهمة جليلة في هذه الحركة ، أكان ذلك بممارسة التقريب في الحياة اليومية ، كما فعل محسن الأمين ، أم بالإصرار على إظهار المذهب الشيعي ، كما فعل عبد الحسين شرف الدين . أضف إلى ذلك أن الأدباء العامليين كانوا المنافحين عن الوحدة الإسلامية ، أكان ذلك في كتاباتهم أم في خياراتهم السياسية أم في مشاركاتهم في المؤتمرات ومنها مؤتمر القدس عام 1931 . والأدباء ، على وجه الخصوص ، هم الذين تجندوا في الحركة العربية ، بعد ثورة تركيا الفتاة ، سنة 1908 ، ثم ناضلوا بعد ذلك في سبيل الوحدة ، وإلحاق جبل عامل بسوريا . فبعد أن هدأت الفوضى والبلبلة في المنطقة سنة 1920 ، قبل العلماء العامليون في أغلبيتهم ، بفكرة لبنان الكبير والانتداب الفرنسي عليه لإيصاله إلى الاستقلال تدريجيا ، وذلك لأنهم كانوا أقل من الأدباء في إعمال إرادتهم ، وأكثر منهم حيلة . وقد هللوا للبادرة التي قامت بها سلطة الانتداب سنة 1926 ، إذ شرّعت فيها وجود الطائفة الشيعية وأنشأت تشريعا جعفريا في لبنان . فما لبث الكيان اللبناني أن