صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )

502

حركة الإصلاح الشيعي

وكان من درس في النجف ، في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ، من هؤلاء العلماء ، قد ألمّ بما طرأ من تطور على المذهب الشيعي ، ناتج من أعمال مرتضى الأنصاري ( ت 1864 ) وأتباعه الذين فتحوا باب الاجتهاد ، ووسّعوا ، من الوجهة النظرية ، إمكان المبادرة لمن يمارسه . وكان ذلك تجديدا فعليا لمذهبهم ، أدى إلى إيلاء العلماء سلطات أكبر ، وإلى التعريف بسلطات المرجع ، وهو الزعيم الروحي للطائفة الشيعية ، يختار من بين المجتهدين ليكون على رأسهم . وقد قام العلماء من أمثال حسن يوسف مكي وموسى شرارة ، بعد أن عادوا من النجف ، بنشر هذه العقيدة في جبل عامل ، وأسسوا فيه المدارس . وكان هذان العالمان أبوي الإصلاحيين . فقد كان موسى شرارة في أوائل العقد التاسع من القرن التاسع عشر ، أول مجتهد عاملي صاغ تصورا شاملا للإصلاح ، وطبقه ، أكان ذلك في التعليم الديني في مدرسته في بنت جبيل ، وفي ممارسة الشعائر الدينية التي أحياها ونظّمها ، أم في الحلقات الأدبية والشعرية التي كان يقيمها . وقد انضم إلى هذين العالمين ، سنة 1882 رضا الصلح ، وهو من الأعيان ، فافتتح مدرسة من النمط الحديث في النبطية . وبعد أن أغلقت سنة 1891 ، أسس حسن يوسف مكي مدرسته الدينية . وقد نشأ على أيدي آباء الإصلاح هؤلاء ، جيل من دعاة الإصلاح وقعت على عاتقهم مهمة تنظيم المؤسسات التي أقامها شيوخهم ، وتطوير مذهبهم . هؤلاءهم موضوع القسم الأكبر من هذا العمل . ويبرز فيه وجهان : محسن الأمين وعبد الحسين شرف الدين ، وهما المؤلفان الأغزر إنتاجا ، إلا أننا نذكر معهما حبيب آل إبراهيم ، وكان قد استقر في بعلبك . إن موضوع هذا الكتاب منصب على السلطة الروحية لهؤلاء العلماء ، كذلك على أعمال بعض الأدباء الذين درسوا في المدارس العاملية التقليدية ، وقد أسهمت كتاباتهم وأفعالهم في عملية الإصلاح وفي محاولة تنظيمه ، أكان ذلك في مجال التعليم أم في المجالات السياسية والدينية : أحمد عارف الزين ، مؤسس مجلة العرفان ، وأحمد رضا وسليمان ظاهر ومحمد جابر آل صفا . وكان هؤلاء الرجال من علماء وأدباء ، تحدوهم رغبة واحدة في تحسين مجتمعهم بواسطة نشر العلم والمعارف فيه ؛ وكانوا يتوقون إلى إصلاح أمور الدين بتنظيم ممارساته وإخضاعها للعقل : وكانت تحرّكهم عقيدة واحدة بالمثل والأفكار السياسية ، ومنها ، الوحدة الإسلامية والوحدة العربية ، على سبيل المثال . وكانوا يبحثون عن الوسيلة التي تخرج جبل عامل من عزلته ، لكي يتخذ مكانه في كيان سياسي عريض ويحافظ ، في الوقت نفسه ، على خصوصياته ؛ وكانوا يطمحون إلى التعريف بطائفتهم الدينية لكي تتبوأ مكانها في الأمة بين غيرها من الطوائف . وكانوا ، على الرغم من تعلقهم الشديد بأرضهم العاملية ، يتماهون بالأمة العربية ، إذ كانوا يأملون بإيجاد زعيم سياسي فيها ؛ وبالطائفة الشيعية ، إذ كان زعماؤها الروحيون في النجف يجسدون في نظرهم السلطة الدينية العليا . ومع ذلك كان موقف العلماء مختلفا اختلافا جذريا عن موقف الأدباء . فقد كانت جذور العلماء متأصلة في مجتمع تقليدي يقوم بأودهم ؛ أما الأدباء ، وكانوا من أسر من صغار التجار ، فكان