صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )
270
حركة الإصلاح الشيعي
كانت تسود النجف واظهروا تعلقهم بالمناظرة بين العلماء ، وبها كان يمتاز صفوة رجال الدين ويبرزون من بين الجماعة . وكأنهم كانوا يستشعرون بذلك أن خصوصيات النظام الشيعي ، ومنها الاستقلال عن الدولة ، كانت عرضة للضياع بفعل الإصلاح . وذلك أن الوجه الآخر لحرية النظام التقليدي كان الفوضى التي كان دعاة الإصلاح يذمّونها ، والوجه الآخر للمناظرة كان الفردية والعداوة بين رجال الدين ، فلم يكن بالإمكان إقامة نظام تراتبي . ما يعني وجود نوع من الجمود الجماعي يهدف إلى حماية طريقة في العيش وفي تسيير أموره أثبتت فعاليتها ، وأثبتت وجود صعوبات عقدية بحتة في آن معا . ويرتبط كل ذلك بآلية الاعتراف بالمجتهد وبنمط انتخاب المرجع ، أي بطبيعة الرابط الاجتماعي الذي يربط المؤمنين برجال الدين . ونقترب هنا مباشرة من مفهوم الولاية ، وهو يربط ، في العقيدة ، المؤمن بالإمام على نحو مزدوج : إرشاد الإمام وسلتطه على المؤمن ، وتعلّق المؤمن بالإمام وحبه له وطاعته . والصلة بين المؤمن والمرجع تستعيد مبدأ الولاية الذي يرتبط بالإمام . وهذا يعني أن إصلاح التعليم كان يمكن أن يهدد كل التصور السياسي في الإسلام الشيعي ، وكل الرؤية الدينية فيه . IV - 3 - إعادة النظر في الاجتهاد إن التهجم على الاجتهاد ، في اعتقاد علماء الأصول الشيعة ، كما كان يمارس منذ أعمال الأنصاري وتلاميذه ، يمكن أن يؤدي إلى أنماط من التناقض شبيهة بالتي بحثت آنفا . فقد كان انتقاء رجال الدين واختيار المرجع ، كما مرّ ، يرتكزان على مبدأ الاجتهاد . فكانت إعادة النظر فيه تعرض صاحبها لتهمة المساس بالنظام بأكمله . ومع ذلك فقد ارتفع ، مرة أخرى ، صوت شيخ عاملي ، هو علي الزين ، في أواخر العقد الرابع من القرن العشرين ، ليوجه نقده إلى ما كان الشيعة يعتبرونه بفخر من خصوصيات عقيدتهم . كانت المذاهب الفقهية الأربعة عند السنة قد « أغلقت باب الاجتهاد » ، بحسب هذه العبارة الشهيرة . وكان لا بد من انتظار الحركات الإصلاحية في نهاية القرن التاسع عشر حتى يجيء من رجال الدين من يدعو إلى إعادة فتح هذا الباب ويبدأ بممارسة الإجتهاد ، لكي يقيم أحكامه مستعينا بالقرآن والسنة مباشرة . ولم يتم هذا الأمر بدون صدام ، بل واجه دعاته علماء تقليديين غالبا ما كانوا من ذوي المناصب الرسمية العليا . ولم يحدث من ذلك شيء لدى الشيعة ، لا سيما أنهم كانوا قد وسّعوا في نهاية القرن التاسع عشر ، مجال تطبيق الاجتهاد . وكان العلماء العامليون كلما قام بينهم وبين السنة نقاش أو جدال ، يحيّون ، ولو بشيء من الاعتزاز ، جهود دعاة الإصلاح السنة ، معتبرين أن مسألة الاجتهاد لا تطرح عندهم ، لأن الشيعة كانوا يمارسونه . وكانوا يضيفون ، خلافا للحقيقة التاريخية ، أن باب الاجتهاد عندهم بقي مفتوحا على