صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )
271
حركة الإصلاح الشيعي
الدوام « 366 » . وقد استعاد محسن شرارة في مقالته السابقة الذكر ، هذه الصورة عن الاجتهاد عند الشيعة ، مع أنه لم يكن من أنصار الاعتداد بطائفته . وفي رأيه أن إقفال باب الاجتهاد قد أضرّ بالسنة ، وأن الأفغاني وعبده والقاسمي وغيرهم ، قد عملوا على معالجته ، وأن الاجتهاد كان ميزة للشيعة على غيرهم من المسلمين . إن الاجتهاد الذي مارسه النجفيون كان ذا خاصية أساسية ، أن يقوم على منهج الحوار والتأمل الصعب ؛ ولم يكن ذلك متيسرا إلا لقلة من رجال الدين من ذوي الصفات المطلوبة لذلك والمجلين في المجالس « 367 » . وإذ أسف محسن شرارة لقلة العلماء القادرين على بذل هذا الجهد في التفكير ، فإنه لم يتناول بالنقد لا منهج الاجتهاد ولا طريقة الوصول إلى مرتبة المجتهد التي تنال بالتشاور لا بالامتحان . وتجدر الإشارة هنا إلى المفارقة التي يقبل فيها عقل ريادي كعقل محسن شرارة بمثل هذا النظام ؛ بل أكثر من ذلك ، فإن حسين مروة الذي خلع العمامة وأصبح ماركسيا ، قد امتدحه أيضا « 368 » . يورد حسين مروة في ترجمته لواحد من أعضاء جماعته ، سطورا حول الاجتهاد كما عرفه يوم كان في النجف « 369 » . فيتساءل عمن يقرر بلوغ الطالب درجة الاجتهاد وكيف يتم ذلك ؟ ثم يجيب بأن لا جواب لهذا السؤال ، لأن القرار وطريقة التقدير لا يعتمدان لا على تنظيم معين ولا على قاعدة معينة . . . فينتظر القارئ إذن مجموعة من المآخذ على ذلك . ولكن ، على العكس ، يسعى المؤلف إلى إيجاد شرعية لآلية اختيار المجتهدين المتبعة في النجف تناسب تصوره الجديد للعالم الذي التزم به . والواقع أنه يبرر النظام التقليدي بمقولات تحليلية وبمفاهيم يأخذها ، من الماركسية وفي الآخر من علم الاجتماع الطبيعي الذي كان رائجا في تلك الفترة . وهكذا يقول المؤلف مفسرا إن الاعتراف بالمجتهد كان يتم ، في الفترة التي أمضاها في النجف ، برقابة شديدة حازمة من قبل الجماعة ، التي كانت « المرجع الذي لا يقبل الجدل في تمييز العالم الحق من أدعياء العلم » . وفي رأيه أن ذلك ناتج من تقاليد هذه البيئة الأكاديمية الخاصة بها ، التي تكون الصلة فيها بين الطالب وأستاذه قائمة على الحوار والنقاش . فقد كان كل واحد يعرض وجهة نظره في النقاش القائم على مسائل العلم ؛ ويقول حسين مروة : « وفي الغالب يكون السكوت حينذاك علامة العجز لا علامة الوقار » . ويختم حديثه قائلا : لم يكن في إمكان أحد أن يخرج عن رقابة الجماعة .
--> ( 366 ) . يؤكد أحمد عارف الزين في دراسة مخصصة لهذه المسألة ، أن باب الإجتهاد عند الشيعة قد كان مفتوحا « في كل زمان وكل مكان » . أنظر « الشيعة والاجتهاد » ، العرفان ، المجلد 48 ، العدد الأول ، ص 3 و 9 . وتؤخذ هذه الفكرة في أذهان الشيعة الأصوليين على أنها حقيقة في تاريخ عقيدتهم . وقد أجابني أحد رجال الدين إذ قلت له إن الاجتهاد لم يكن مقبولا في أيام الأئمة : بأن الأمر لم يكن يتعلق بالاجتهاد نفسه . ( 367 ) . « بين الفوضى والتعليم » ، العرفان ، المجلد 16 ، ص 336 - 337 . ( 368 ) . أنظر حول هذه المسألة الهامش 139 في هذا الفصل . ( 369 ) . أنظر ترجمة محمد شرارة في : وجوه ثقافية من الجنوب ، المجلس الثقافي ، الجزء الأول ، ص 10 - 11 .