صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )
167
حركة الإصلاح الشيعي
الجديدة التي بدأوا ينعمون بها ، وانتشار العلم . وكان الكتّاب العامليون ، كغيرهم من العرب في تلك الحقبة ، يتمثلون النموذج الياباني « 153 » . وقد أثبت هذا النموذج أن في إمكان دولة مثقلة بالتقاليد أن تكون حديثة وأن تبقي على تقاليدها ، لا بل أن تنافس الأمم الأوروبية على الصعيد العسكري ، ولا سيما أن اليابان قد غلبت روسيا سنة 1905 . فإن إنهاء الاستبداد والإتيان بحكومة استشارية وتعميم التعليم مسائل تمكّن من الوصول إلى نمط من الحضارة شبيه بما حصل في اليابان لا ريب في ذلك ، وهو نمط ضارب أصله في التقاليد وسائر فرعه في طريق الحداثة في آن معا . وعلى الرغم من الثقة التي وضعوها في الدولة ، والحرص على الوحدة والتماسك فإن الأدباء العامليين ظلّوا متمسكين بطائفتهم : فلم تكن المسألة في محو خصوصياتهم المذهبية في الوقت الذي توصلوا فيه إلى حرية التعبير عن رأيهم وعكفوا فيه على تاريخهم وحققوا هويتهم « 154 » . ولقد قاموا ، على غرار غيرهم من الوطنيين ، بتحديد مفهومهم للأمة الخاص بهم . وهكذا حاول أحمد رضا أن يجيب عن السؤال : « ما هي الأمّة ؟ » في مقالة نشرها في المجلد الثاني من العرفان « 155 » . وقام هو وصاحبه الأقرب سليمان ظاهر ، على وجه الخصوص ، ببناء ما أسماه وضاح شرارة « بالعصبية العاملية » ، معتمدين في ذلك على مفهوم ابن خلدون القائل بروح الجماعة والذي يحيل هنا إلى الأواصر المتينة المحافظة على تماسك الجماعة الدينية المحلية . وقام مؤلفون آخرون ، منهم صاحب العرفان نفسه ، بإضافة لبناتهم إلى هذا البناء ؛ وذلك لأنهم كانوا يعتقدون في ذلك الوقت بأنه كان من الممكن أن يندمجوا في دولة قوية متحدة وأن يحافظوا ، في الوقت عينه ، على خصوصياتهم المحلية ، أي على بعض السيادة . ولم يلحظ العامليون الصعوبة القائمة في تأمين تطلبهم المزدوج : مجتمع متعدد الطوائف يحتلون فيه موضعا يخصهم ، ودولة قوية يستطيعون فيها أن يحافظوا على خصوصياتهم وأن يتمتعوا ببعض السيادة « 156 » . وقد استنفدوا كل طاقاتهم ليفرضوا أنفسهم على أنهم طائفة مذهبية ، وليندمجوا في الكيان السياسي الذي تؤلفه الدولة العثمانية وليقيموا صلاتهم ، في الوقت عينه ، بباقي عناصر هذا الكيان . وفيما كانوا مستغرقين في إتمام هذه المهمة ، كانت سياسة جمعية الاتحاد والترقي تتجه نحو التتريك . قام سليمان ظاهر سنة 1912 بطرح مسألة الرئاسة مميزا بين الرئاسة في الدولة ، وفي رجال
--> ( 153 ) . أنظر أولى افتتاحيات العرفان . وقد بقي التمثّل باليابان في الصحافة العربية على وجه العموم وفي مجلة العرفان بخاصة ، واردا حتى العقد الرابع من القرن العشرين . ( 154 ) . أنظر لاحقا في هذا الكتاب الصفحات الأولى من الفصل التاسع . ( 155 ) . العرفان ، المجلد الثاني ، العدد 9 ، ص 459 - 462 ( 1910 ) . ( 156 ) . وضاح شراره ، الأمة القلقة ، ص 16 . لا بد من أن نضيف هنا أن هذا التطلب المزدوج ليس متناقضا بحد ذاته ، ولكن نظرا إلى نمط الدولة اليعقوبي الذي كان يحضّر في المنطقة فإنه أصبح كذلك .