صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )
113
حركة الإصلاح الشيعي
سلطة المجتهدين الروحية كلما كان رجل الدين عالما ومقدّرا لاستقامته وعدله ، كلما زادت القضايا التي كانت تقدم إليه لحلها . وقد يستدعى أحيانا من مكان بعيد . إلا أن إشعاع البعض وحضورهم المعنوي كانا يكسبانهم سلطة روحية تختلف بطبيعتها عما كان للمجتهد العادي . وهذا ما كان يسمح لهم بالتدخل لحل مسائل مستعصية على حيثيات القضاء . ولم يكن التوجه إليهم بسبب كفاءتهم الفنية في الفقه فحسب ، بل بسبب حضورهم المعنوي وسلطتهم الروحية ، هؤلاء العلماء ، حينما كان يستدعيهم المتخاصمون أو ممثلو الجماعات الذين كانوا يخشون أن يتحول الصراع بين جماعتهم إلى تهديد التوافق المدني ، كانوا يستطيعون فرض حلول تتعدّى الشرع . وكانوا يدخلون في هذه الحالات على أنهم الحكم . وإليكم هذه الحالة المثالية التي وقعت في أثناء الحرب الكبرى . ذهب رجلان من الهرمل إلى شقراء وطلبا من محسن الأمين أن يرافقهما ليبت بقضية إرث تتواجه فيها أسرتان ، وكانت القضية قد رفعت إلى السلطات الرسمية قبل وصول محسن الأمين وأصبحت في يد أحد القضاة ، فنقل ملفها إليه . وكانت امرأة قد توفّي زوجها وهي حامل ، فولدت صبيا . فادعى أهل زوجها بأن الصبي قد ولد ميتا . أما الزوجة فأكدت أنه ولد حيا ثم مات . الافتراض الأول يمنع الإرث عن الزوجة ، والافتراض الثاني يجعل الصبي يرث عن أبيه ثم ترثه الأم . فمن وجهة النظر الفقهية رأى محسن الأمين أن عاملين يرجحان حق الأرملة ؛ الأول ؛ مبدأ الاستصحاب القائل بأن الموقف يستمر إذا لم يثبت بطلانه ، والثاني أن أهل الزوج مدّعون . إلا أن محسن الأمين لم يكن يجهل أن هذه المرأة سوف تتزوج وأنها ستحمل حصتها من الميراث إلى زوجها الثاني - وهو أمر لا يقبله أهل الزوج الأول . ولذلك فقد عرض عليهم حلا وسطا ، وحث فريقي النزاع على التنازل عن بعض الحقوق . فوافقت الأسرتان : وأعطيت المرأة نصف ما كان يحق لها لو أن ابنها مات بعد ولادته . وقد ارتضى الجميع بهذا الحل بالتراضي « 167 » . وبما أن رجال الدين ما كانوا يباشرون مهامهم في المحاكم الشرعية فقد كانوا يستقبلون المؤمنين في بيوتهم . فكانت أبواب منازلهم مفتوحة « 168 » . وكانوا يقيمون العدل بطريقة لا تدخل فيها الشكليات . فلم يكن على المؤمنين إلا أن يذهبوا لرؤية الشيخ أو السيد فيعرضون طلباتهم أو يسألون أسئلتهم . وكان على رجال الدين أن يكونوا حاضرين لاستقبال الرعية وقريبين منها . وحتى لو كانوا يمارسون أعمالا أخرى فإنهم كانوا يتدبرون أمرهم لاستقبال طلبات زوارهم ؛ فإن كانوا يدرّسون صباحا فإنهم يستقبلون الناس للاستشارة بعد الظهر . ومن كان منهم من مالكي الأرض كان يذهب
--> ( 167 ) . أنظر سيرته ص 179 - 182 . ( 168 ) . ولا نزال نرى إلى يومنا الحاضر في قرى جبل عامل وفي صور وصيدا أن الغرفة التي يستقبل فيها رجل الدين زواره تبقى مفتوحة للجمهور في الأوقات المحددة للزيارة .