صابرينا ميرقان ( تعريب : هيثم الأمين )

114

حركة الإصلاح الشيعي

لمراقبة مزارعيه في الحقل أو على البيدر حيث كان يستقبل من يأتيه إليهما ، وهذا ما كان من أمر محمد علي عز الدين ، فقد كان كلما ذهب إلى مدينة أو قرية ، يحمل معه كتبا وقلما وأوراقا ويأخذ بالكتابة والناس حوله يتحادثون ، فلم يكن يرفع رأسه عن كتابه إلا للإجابة عن طلب بفتوى أو لتحكيم نزاع « 169 » . وكان معظم المسائل المطروحة على رجال الدين يتعلق بمشاكل الحياة اليومية : فمن مسألة حول صحة الصوم ، إلى نزاع حول حدود الأرض بين جارين ، إلى خصام بين زوجين وهكذا « 170 » . هذا مع العلم أن أي خلاف بين شخصين قد يؤدي إلى صراع بين أسرتين ويهدد بذلك تماسك الجماعة ، وكان رجل الدين يعتبر نفسه ضامنا لهذا التماسك . ولذلك فقد كان حسن يوسف مكي ، كما يقول محمد جابر آل صفا ، لا يسمع بخلاف إلا ويتدخل لحله « 171 » . وكان رجال الدين ، فيما يتعدى القضاء ، يعتبرون أنفسهم وسطاء وحكاما في تنظيم القوى في المجتمع ومنع تفجر الخلاف . وكانوا يدعون إلى وحدة الطائفة الشيعية في مواجهة القسمة القبلية وأمام الطوائف الأخرى والدولة العثمانية « 172 » . وبذلك فقد كانوا يعتبرون أنفسهم ضامني النظام الاجتماعي . إلا أنهم لم يكونوا الوحيدين في طلب هذا الدور ؛ فقد كان للزعماء كلمتهم في ذلك ، وكانوا يستغلون هذا الدور إلى منتهاه في كثير من الأحيان . ويقول محمد جابر آل صفا في كتابه تاريخ جبل عامل ان المتأولة كانوا يلجأون إلى الزعماء في حلّ خلافاتهم ؛ إلا أن السلطة العليا التي تفوق سلطتهم كانت للمجتهدين . ولم يكن يجرؤ على انتقاد قراراتهم أحد ، وكان الرؤساء الزمنيون ينصاعون لأحكامهم حتى لو لم تكن لصالحهم « 173 » . ويضيف في موضع آخر ، أن طهارة العلماء كانت ترفعهم فوق جميع السلطات . ويتابع قائلا : « وسلطتهم هي السلطة العليا التي تحنى لها الرقاب وتطأطأ لها الرؤوس . ولم يكن يجسر زعيم قط ، مهما عظم شأنه وكبر مقامه وتوفّر ماله وجنده ، على مناوأة العالم أو ردّ حكمه الذي لم يكن سلاحه وجنده إلا تقوى الله والزهد والنزاهة والبعد عن زخارف الدنيا » « 174 » . وهذه نظرة مثالية لسلطة العلماء . أما في الواقع ، فقد كان الزعماء يحترمون أقوالهم لأنها كانت توافق مصالحهم على وجه العموم ، وكانت تسير في اتجاه تثبيت النظام الاجتماعي ، وهو ما كان يدعو إليه الزعماء قبل غيرهم . وكان العلماء ، إضافة إلى ذلك ، يتبعون الزعماء ماديا ؛ وكانت هذه التبعية تؤكد تحالفهم معهم . كذلك فإنه كان من صالح الزعماء أن يراعوا السلطة المعنوية للعلماء :

--> ( 169 ) . أنظر الأعيان المجلد التاسع ص 448 . ( 170 ) . لقد أمكنني التحقق من أن رجال الدين ما زالوا إلى اليوم يستشارون في مسائل الحياة الزوجية ، فيأتي الأزواج إليهم حتى قبل أن يفكروا في الطلاق ، فيتناقشون في خلافاتهم أمام حكم متجرد يوحي بالثقة . ( 171 ) . محمد جابر آل صفا ، تاريخ جبل عامل ، ص 251 . ( 172 ) . يؤكد وضاح شرارة هذه الفكرة في الأمة القلقة . ص 107 - 109 . ( 173 ) . محمد جابر آل صفا ، تاريخ جبل عامل ص 91 - 93 . ( 174 ) . المرجع السابق ص 105 .